يوم وفاتي ..
<******>drawGradient()******>
كعادتي كل مساء أتأهب للقاء الحاسوب , وقبلها أسبغ الوضوء , وكأنني متوجه لمحراب , لم أشعر يومها أن عزرائيل يتربص بي , رغم الشوق والحنين واللهفة التي أحسست بها لأمي وأبي وأخواني وأخواتي وأقاربي والجيران والأصحاب , وكل شبر في قريتي, ما أن وضعت رجلي اليمنى عند باب غرفتي , حتى سقطت, وأُسدل رأسي نحو القبلة , ولا أعرف من نطق حينها بـ لا إله إلا الله محمد رسول الله .. هل حقا لساني من نطق بالشهادتين أم أحد ما بداخلي ! أقبلوا يتراكضون نحوي يحدوهم الأمل – على ما أظن- أنني مازلت حيا.. حملاني أخواي (محمد و صالح) .. – كم اشتقت إليكما يا محمد ويا صالح – وتوجها بي إلى السيارة بينما صوت بكاء أمي يخترق شغاف قلبي .. اعذريني أيتها الحبيبة إن غادرت دون أن أودعك , فـ (عزرائيل) لم يرسل لي رسالة على الـ (إيميل) ولم يزرني في (الماسنجر) البارحة, ولم يتصل على هاتفي الخلوي ! رغم أنني كنت أنتظره منذ زمن سحيق , حل ضيفا بلا ميعاد , فأكرميه يا أمي ثلاثة أيام .
(إنا لله وإنا إليه راجعون) .. البقية في حياتكم . هذا ما قاله الطبيب لأخواي , وما اعتصرني , و نشرني , وكواني , مثل ملابس الغسيل سوى شهقة صالح ! وبعدها أخذني بعض الممرضين وزجوا بي في (ثلاجة الموتى) ..
ريح أذنت في أفئدة أهالي القرية بآذان الرحيل \ صوت القرآن كان يصدح في المقبرة (فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون) من المتوفى ؟ , الذي لم يكن سواي .. شهقاتهم أماتتني ألف مرة , لم أكن أعرف أنني أحتل مكانا كبيرا في قلوبهم .. إلا اليوم ..
أمي دخلت المستشفى بعدي بساعة في شبه انهيار عصبي !!
لا .. لا .. لا يا حبيبتي , ليس هذا اتفاقنا , من سيقوم بضيافة (عزرائيل)؟ استضيفيه , باسمة الثغر , ولا تنسي أن تُحنِي خصلات شَعرك البيضاء , كما تفعلين
<******>drawGradient()******>
دائما , أرجوكِ .. أرجوكِ .. انهضي.
<******>drawGradient()******>
في مجلس العزاء ..
<******>drawGradient()******>
أبي .. أين أبي ؟
رباه .. إنه في زاوية المجلس منكسا رأسه يكفكف الدمع .. أول مرة أراك يا أبي باكيا , امسح دموعك لا طاقة لديّ اليوم للاحتمال , إنك تتحدث لمن حولك ماذا تراك تقول ؟ سأدنو بقربك..
راح (هشام).. ألن يعود ؟ ألن أراه مرة أخرى؟ آآآآه.. انكسر ظهري بعدك يا (هشام) ! من سيعوضني عنك الآن وكيف سأقضي بقية حياتي دونك , من سيُقبل رأسي حينما استيقظ في الصباح , من سيشاطرني مع أمك طعام الإفطار ؟ من سيرافقني في الطريق إلى المسجد ؟ من سيحل مكانك في إلقاء المحاضرات والندوات ؟ ألن أفرح بك عريسا ؟ كنت أتمنى أن أرى أولادك , لماذا.. لماذا رحلت وأورثتني كل هذه الأمنيات لتنهش في جسدي ؟!!
يا إلهي .. رحماك بأبي .. انثر عليه قطرات صبر تشد من أزره ..
ما لي أراهم واجمون في مجلس العزاء دموعهم تنساب دون أن يأخذوا منديلا لمسحها , واعجباه .. (سالم) يبكي .. لا أصدق لم نتفق على رأي قط , وكم كنا نتناقش بحدة أمام الحضور في كل مناسبة , أتراك تبكي لأنك ستفتقد من يناقشك , و يجادلك ؟ أم تبكي لحب أكننته لي في فؤادك ؟ وكنت أقرأه مسطورا على صفحات عينيك ..! ابكني يا (سالم) .. ابكني .. فمثلما لم يحالفك الزمن لتبوح بحبك لم يحالفني أنا الآخر للبوح بحبي وإعجابي بك
(حمود) المجنون .. يبكي أيضا إنه يحاول تقليد الجميع , ياله من ممثل بارع , ولكن قلبي يحدثني بصدق بكاءه هذه المرة.. حتى أنت تفتقدني يا (حمود) , ربما لأنك طلبت مني يوما أن ألقي محاضرة عن كيفية التعامل مع المجانين حيث أنك مستاء من طريقة تعامل بعض الشباب معك , ولبيت طلبك , وكم سُعدت ذاك اليوم , و كنتَ أول الحاضرين , كنتَ فخورا بنفسك , هل أحسست ذاك اليوم أنك إنسان حقيقي ؟!
على الجدار الثالث , جهة الشرق , تتلاحم الرُكَب .. إخواني وأخوالي وأعمامي وأولادهم .. آآآآه .. دموعكم والله عزيزة عليّ ولكن .. أنّى لي مصارعة القدر ؟! أناس كثيرون .. أعرفهم ولا أعرفهم يتوافدون للتعزية ويغادرون .. المجلس يضج بالبكاء , وعند الباب طفل يجلس القرفصاء أسمع صوت نشيجه من يا تُرى ؟ آآآآه .. إنه ( منير) ابن أختي , ست سنوات قضيتها معي , ولكن لا أظنك استوعبتي سوى قبل عام أو عامين , كنت ترافقني كالظل بعد رحيل والدك .. نعم والدك الذي مجلس عزائه يشبه مجلسي هذا, (حسن) صديقي الذي شاطرني حياتي قبل أن يغادرها , وها أنا لحقت به بعد عامين من رحيله ,أتراه اشتاق لي؟ وطلب من عزرائيل أن يأخذني إليه!
قبل أسبوع من هذا اليوم وفي الساعة الرابعة مساء على وجه الدقة دخلتَ عليّ يا (منير) مبتسما , التفتُ إليك : ماذا عندك يا حبيبي ؟ واقتربت مني خطوة .. خطوة .. وفي لحظة أسدلت جفني لتنقض عليّ وتمطرني بالقُبل قائلا : أحبك. .أحبك كثيرا يا خالي .. وأريد أن أصبح مثلك في كل شيء .. كل شيء .. وها أنا غادرت وتركتك وحيدا لتكون أناي الأخرى التي تصدح من بعدي , وأورثتك مكتبتي وحاسوبي وأقلامي وأوراقي بل غرفتي بكل ما تحتويها تحت إمرتك .. ولا تنسى اعتني بأمك .
<******>drawGradient()******>
ليلتي الأولى في القبر ..
<******>drawGradient()******>
الليل مكفهر والريح كلت .. خطوات تطرق باب أذني مُغادِرة وأوصِد الباب .. ارتعشت حينها,ثم برد قارس احتضن كلي وبقيت ارقص له سويعات .. شعرت بوحشة تدغدغني أخذت أنادي : ألا من ذاب لهذه الوحشة .. ؟ فجأة رأيت صورة محمد .. ما أوفاك , وأجودك يا أخي الحبيب .. أتدعو الله أن يخفف عني وحشتي ؟ ومن تلك المرأة التي تشاطرك الدعاء ؟ هل هي أختي (مريم) ؟ نعم .. إنها (مريم) عزيزتي وغاليتي .. وجهك النقي الصافي لا أرضى أن تخضبه الدموع .. هل ستؤجلين حفل زفافك ؟ وإلى متى ؟ لا تؤجليه . سأعتب عليكِ لو فعلت هذا.. وإن رحلتُ ما ذنب (عبد الرحيم) يتحمل ويصبر وهو صهرنا الجديد منذ قرابة الشهر .. رحيلي لا يغير سنن الكون , ولم يكن بدعة فيه .. إنه الحق . أتمنى من كل أوردة وشرايين قلبي أن تقري عينا في حياتك معه .
أورثت الجميع الألم والدموع, ورائحة عطري تعبق في أزقة القرية , وربما كلماتي ستبقى صدى يتردد في أروقة آذانكم .. إنني من تشبث بالرحيل لا أريدكم أن تتشبثوا بي أكثر , لا تبكوا عليّ .. ولا تنوحوا .. فقط قولوا : رحمه الله وأسكنه فسيح جناته .
ارتدى كفنه وأسدل أجفانه واستقبل القبلة , حينها انسكب نور وأقبل الملكان ..
<******>drawGradient()******>
بقلم : قيثارة