هبّت نسائم في تلك الليلة ، فبدأ الجو منعشاً مبهجاً للنفوس والقلوب ..
ولكن ذلك المشهد الذي بدأ في ذلك المكان لم يكن يشير إلى أي من ذلك أبداً ، فقد بدأ الصمت هو المسيطر على المكان ، بينما كان ( عبدالله ) و ( حسين ) يتطلعان إلى ذلك الشيخ المنتصب أمامهما .
ثم قطع صوت ( حسين ) جو الصمت ، وهو يقول في خفوت لأخيه ( عبدالله ) :
ـ أهذا هو الشيخ الطوسي ؟.
ـ نعم .. إنه هو يا أخي ..
ـ وماذا تعرف عنه ؟.
ـ لا أعرف عنه سوى القليل ، فقد سمعت أحد الخطباء أن السيد الخوئي قال في معجمه بما مضمونه : ( إني لم أجد عالماً بمستوى الشيخ الطوسي علماً وعملاً ) ، وبالطبع فإن مثل هذه الشهادة لها قيمتها ، لأنها صادرة من رجل متخصص في علم الرجال ؟.
ـ إنه أمامنا لما لانسأله ، ونتعرف على شخصيته عن كثب ؟.
ـ هيا بنا نسأله ؟.
فقاما على الفور وذهبا إلى ذلك الشيخ ، وما أن امتثلا أمامه حتى استقبلهما ذلك العالم الجليل بالترحاب المصحوب بشئ من الوقار ، وبعد أن استقر بهم الجلوس همس ( حسين ) قائلاً لأخيه ( عبدالله ) قائلاً :
ـ هل عندك أسئلة توجهها له ، أم أسأله أنا ؟.
ـ لا.. بل أسأله أنت ؟.
التفت ( حسين ) إلى ذلك الشيخ وقال له :
ـ متى كان مولدك الشريف ، وكيف بدأت رحلتك العلمية ؟.
ابتسم ذلك الشيخ الجليل وقال :
ـ ولدت ( على ما أذكر ) سنة 385 من هجرة المصطفى عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام ، في طوس ، وهي مدينة في خراسان .
قاطعه ( عبدالله ) :
ـ التي تسمى الآن " مشهد " .
الشيخ ( متابعاً ) :
ـ درست هناك مبادئ العلوم ، كتب الحديث والتفسير ، ثم انتقلت من خراسان إلى بغداد ..
وبغداد يا أحبائي كان في ذلك الوقت هي عاصمة المسلمين السياسية والدينية ، ففيها يتجمع أكابر العلماء من السنة والشيعة ، وكانت المرجعية الشيعية في ذلك الوقت مركزها بغداد بعد أن انتهت من المدينة المنورة بانتقال الإمام الهادي ( عليه السلام ) إلى بغداد .
وكانت ( قم ) أيضاً من المراكز العلمية الشيعية ، وكذا الكوفة .
وكان يوجد في ( قم ) أكثر من مائتي ألف راو يروون الحديث عن أهل البيت "عليهم السلام" .
( حسين ) مقاطعاً :
ـ الآن على سعة الحوزة العلمية في ( قم ) لا تشكل عشر معشار ما كانت عليه ؟.
( الشيخ الطوسي ) متابعاً :
ـ ولكن المرجعية الشيعية كانت في بغداد للشيخ المفيد .
عبدالله ( متسائلاً ) :
ـ ومن هو الشيخ المفيد هذا ؟.
ابتسم ( الشيخ ) :
ـ الشيخ المفيد يا بني من أكابر علمائنا ومن عظمائهم ، وهو أستاذي الأكبر كان بيته مدرسته التي تخرج منها مئات الطلبة والمجتهدين .
فعندما انتقلت إلى بغداد التقيت بالشيخ المفيد ، وحضرت درسه في سنة 408هجرية ، وكنت أبلغ من العمر في ذلك الوقت 43 سنة تقريباً ، فما زلت ألازم الشيخ المفيد حتى أصبحت من أبرز تلامذته .
ـ نعم .. نعم .. ولكن كيف أسهمت في بناء الفكر الشيعي ؟.
قالها ( عبدالله ) وبات متلهفاً لسماع الإجابة :
ـ لابد أن أذكر لكما مقدمة قد تكون فيها الجواب الشافي إن شاء الله !!!.
العلماء في عهد الأئمة "عليهم السلام" كانوا رواة للحديث أكثر من كونهم فقهاء ، فهم يروون الحديث ، ويحاولون أن يفهموا الحديث بالوسائل المتيسرة في ذلك الوقت ، وعندما يريد أن يفتي ينقل نص الحديث من دون تغيير .
( حسين ) متسائلاً :
ـ ولكن لماذا ؟.
( الشيخ ) :
ـ لوجود الإمام ، لأنه باستطاعت أي فرد الرجوع إلى الإمام مباشرة والاستفادة منه ، وأخذ الحكم الشرعي .
ثم سكت برهة من الزمن وقال مستطرداً :
ـ بعكس ما كان عليه علماء أهل السنة والجماعة ، فعندما انقضى جيل الصحابة في العصر الأموي اصبحوا بحاجة إلى الاجتهاد فوضعوا كتب الأصول ..
( عبدالله ) مؤكداً :
ـ أصول الفقه .
ـ نعم .. نعم .. بينما لم يحتاجوا علماء الشيعة في ذلك الوقت إلى ذلك ، لوجود الأئمة "عليهم السلام" واتصال الشيعة مباشرة ..
ولما قارب الإمام المهدي "عليه السلام" من الغيبة الكبرى أصدر توقيع ..
( حسين ) مستغرباً :
ـ توقيع ؟!!!.
( عبدالله ) موضحاً :
ـ يعني قرار .. خطاب !!.
ابتسم ( الشيخ الطوسي ) :
ـ خطاب .. قرار .. كلها كلمات مترادفة ، فهذا الخطاب أو القرار الذي خرج من الإمام الهدي "عليه السلام" يُلزم الشيعة بالرجوع إلى العلماء الفقهاء ..
ولابد للفقهاء العلماء أن يقوموا بهذه المسئولية ..
( عبدالله ) :
ـ كيف يقومون بذلك ؟.
( الشيخ الطوسي ) مواصلاً حديثه :
ـ لابد أن يُحضر الفقهاء جميع الوسائل للقيام بهذه المسئولية ، ومناه جمع الأحاديث المتفرقة ، فألف الشيخ الكليني ( كتابه الكافي ) في عشر سنوات تقريباً ، وهو يحوي أكثر من ستة عشر ألف حديث .
فالكليني بهذا الكتاب أعطى وسيلة مهمة للفقهاء تساعدهم على الاجتهاد ..