تااااااااااااااااااااااااااااااابع.....
كان فؤاد شابا في الخامسة والثلاثين من العمر ، طويل القامة ، نحيل البنيه ، انيق الهندام ، يعيش مع امه وحيدين ، وكان يعمل مديرا لفرع احدى دور النشر الكائن على ما يسمى خطوط التماس بين بيروت الغربيه والشرقيه .
اتجه الى عمله ، وكما قلنا ، كل شيء شبه طبيعي بالنسبه للامن ، وبالنسبه للسير ، الهدوء شامل ، مما جعل الناس متفائلين ، اذ لا رصاص اليوم ولا قذائف ولا مدافع ولا متفجرات ، لذلك كانت السيارات تكاد تملأ الشوارع.
وسار فؤاد في تلك الزحمه ، التي كانت قبل الحرب مصدر توتر وازعاج وضيق واصبحت دليلا مريحا على الامن المفقود والطمأنينه التي دغدغت حواسه بل ادخلت الراحة والسرور الي قلبه.
وصل الى مكتبه ، وجلس واخذ يعمل .. ولكن في الساعه العاشره الا عشر دقائق من ذلك اليوم ، وفجأة ، وكأن الشر كله محصورا في مرجل واذا به ينفجر.
الرصاص بدأ يقرع طبول الحرب ، القذائف بدأت تتوزع هنا وهناك من أمكنة معينه على أمكنة غير معينة ، وأخذت الانفجارات تدوي في الشوارع والازقه ، على السطوح والشرفات وفي الجدران ، ممزوجه بدوي أصوات المدافع وقعقعة الرصاص من كل حجم ونوع.
وسيطر الرعب على كل من بمبنى دار النشر ، فتركوا اعمالهم وركضوا يحتمون بالملاجيء او يفرون هنا وهناك.
اما فؤاد فاغلق باب مكتبه بسرعه ونزل الدرج راكضا متجها الى الشارع نحو سيارته.
ولم يخطر بباله الا طمانة امه ، فالهاتف مقطوع اتصاله ، ولا وسيله الا برجوعه الى بيته لانه يعرف سلفا كما علمته الاحداث السابقه من الحرب ما كان يحل بها في غيابه من عذاب وبكاء وخوف عليه.
ولهذا انطلق بسيارته ، واذا بالشوارع خاليه الا من بعض السيارات المسرعة الهاربه وهي تزعق بزماميرها التي تنبئ عن الخطر الداهم ثم ببعض سيارات الاسعاف التي ترسل صفيرها وسط دوي القذائف وصوت ازيز الرصاص مما يجعل كل ذلك الجو مرعبا مخيفا.
انطلق باقصى سرعته في الشوارع الفارغه من كل شيء الا من تلك الاصوات ودخان وغبار القذائف وما خلفته من الدمار والشظايا.
ووصل الى شارع مستقيم تطل عليه اماكن مصدر القصف ، كان يتوجب عليه المرور به رغم الخطر الذي فيه.. واطلق لسيارته العنان واسرعت كانها تطير.
كان نظره وتفكيره وحواسه منصبه كلها امامه خوفا من مفاجأة لشيء يعترضه بغتته.. ولكن ما خاف منه حصل ، اذ رأى عن بعد سيارة جديدة فخمه تسمح لسيارته ان يتجاوزها فخفف سرعته قليلا ومر.
وحول بصره الى المرآة التى امامه فرأى رجلا ينحني على شيء لم يتميزه وهو يختبيء خلف السيارة.
ادرك فؤاد على الفور ، ان الرجل هو صاحبها ولسبب ما ارتطمت بالحائط فتعطلت ، فخرج منها يختبىء خلفها من الرصاص والقذائف والشظايا وخاصة ان الشارع كان مكشوفا الى امكنة مصدر القصف.
وللحظه تصارعت في نفسه عوامل الهرب من الخطر لطمأنة امه ، وعامل الواجب الانساني لانقاذ رجل في مأزق مخيف ، وحيث انه يتحلى بمشاعر النبل فقد توقف فجأة ، وكان قد بعد قليلا ورجع الى الوراء حتى حاذى السياره المعطله ونزل منها بسرعه ، واذا به يفاجأ بالرجل ينحني على طفلين خوفا عليهما من الرصاص والقذائف فقال فؤاد صارخا
احمل انت واحدا من الطفلين وانا احمل الاخر الى سيارتي). وتقدم نحو سيارته وفتح الباب الخلفي المقابل واسرع يحمل احد الطفلين بينما انتشل الرجل الطفل الاخر ودخل الكل السيارة التي انطلق بها فؤاد باقصى سرعة.
ولم يبتعدوا عشرات من الامتار حتى دوى انفجار هائل خلفهم فالتفت الرجل والطفلان الى الوراء ، كما نظر فؤاد بالمرآة امامه ليروا ان سيارة الرجل تشتعل فقد سقطت قذيفه عليها .. وهتف احد الطفلين صارخا
يابابا.. سيارتنا تحترق.. سقطت القذيفه فيها).
وارتبك فؤاد.. لكن لم يلتفت الى شيء وكان كل همه الطريق وتأمين سلامة سيره. واخذ يقطع الشوارع والطرقات حتى ابتعده عن اماكن الخطر الشديد ، واجبرته الازقه على التمهل وقال
اين تسكنون حتى اوصلكم الى منزلكم).
لم يرد الرجل اول الامر ،فنظر فؤاد بالمرآة فرآه مرتبكا بشدة يحتضن الولدين وكانا صبيا وبنتا وقد عمهم الرعب الفظيع ، فأعاد فؤاد قوله السابق ،فقال الرجل بصوت مرتجف
نحن نسكن في (الطريق الجديد)قرب الجامعه العربيه .