بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على فاطمة وابيها وبعلها وبنيها وعلى السر المستودع فيها
(علم العقائد أشرف العلوم)
يتضح مما تقدم فيما أوردناه من آيات كريمات وروايات شريفات في عظمة العلم والعلماء وبلاشك ولا أدنى شبهة أننا تحدثنا عن عظمة العالم (بالحمل الشائع) كما تحدثنا مسبقا.
وهنا نأتي اولا بتقسيم الدين إلى ماذا تنقسم فنقول:
ينقسم الدين إلى فقه أكبر وهو علم العقائد وفقه أصغر وهو علم الفقه وما يرتبط به، وبذلك يظهر لنا أن الأصل والأس الأساس هو الفقه الأكبر الذي ينقسم إلى توحيد وعدل ونبوة وإمامة ومعاد.
وهذه الأصول والتي تسمى بـ(أصول الدين) هي معتمد الدراسات العقائدية وعليها تتفرع جميع الإعتقاديات من رجعة وبداء وحساب وجزاء وحشر ونشر وعصمة ونص وغير ذلك. على تفصيل موكول إلى محله
وبطبيعة الحال وبحسب القاعدة المعروفة (أن شرف العلم بشرف معلومه) فما كان معلومه وموضوعه هو الله فهو بلاشك هو الأشرف على الإطلاق لأن العلم الذي يتحدث عن الله وصفاته واسماءه وبكل ما يرتبط بالله تعالى شأنه فهو العلم الأشرف على بقية العلوم والمواضيع. ومن ثم يأتي الأشرف فالأشرف بعد ذلك.
وطبعا لايخفى عليكم أن العلوم كلها آلية بمعنى أنها تدرس لا لنفسها بل لغيرها فالفيزياء يدرس لدراسة الارض وأحوالها والكيمياء للتفاعلات الكيميائية والفلط لدراسة النجوم والكواكب والرياضيات للحساب والهندسة وما إلى ذلك.
فهذه علوم آلية بل حتى في العلوم الدينية التخصصية كعلم الأصول فهو منطق الفقه كما يسميه الشهيد الصدر فيدرس من اجل فهم الفقه الإستدلالي وكذا علم المنطق فهو يبحث في قواعد للتفكير السليم وكما عبر عنه الشيخ المظفر اعلى الله مقامه أنه آلة قانونية تعصم مراعتها الذهن عن الخطأ في الفكر، إلى ما هنالك من العلوم.
لكن نجد وجدانا أن علم التوحيد يدرس لا لأجل شئ آخر بل لإثبات نفس التوحيد فالتوحيد بمعناه الأعم هو إثبات أن لهذا الكون خالقا فيدرس التوحيد لنفس هذا الشئ لا لشئ آخر وتارة يدرس من أجل اثبات الصفات الإلهية وكذا الاسماء فيسمى توحيدا وكذلك يدرس احيانا من اجل اثبات الصفات الفعلية والذاتية فيسمى أيضا توحيدا وتارة يدرس من اجل اثبات ان لهذا الكون الها واحدا لا اثنان ولامتعدد فيسمى ايضا توحيدا وما إلى ذلك من الدراسات الكثير جدا والتي لاتنتهي لعدم تناهي معلومه وهو الله.
وقد تقدم أن شرف كل علم بشرف معلومه وبهذا يكون أن اشرف العلوم هو التوحيد وتبعا لهو تأتي اهمية اصول الدين الباقية لأنها كلها متفرعة من اثبات ان لهذا الكون خالقا.
قال الإمام الصادق عليه السلام في رواية طويلة: إن لمحبينا في السر والعلانية علامات يعرفون بها، قال الرجل: وما تلك العلامات؟ قال عليه السلام: (تلك خلال أولها أنهم عرفوا التوحيد حق معرفته وأحكموا علم توحيده) كتاب تحف العقول لابن شعبة الحراني ص326
إذن فعلم التوحيد أشرف العلوم لأن شرفه مكتسب من معلومه وهو الله تعالى وهو العلم الإستقلالي الوحيد الذي يدرس لذاته لا لغيره
هذا سبب في اشرفية علم التوحيد والعقائد بصفة عامة.
والسبب الثاني هو/
أن علم العقيدة يبحث عن أصول الدين والتي هي أساس العلوم الشرعية والقاعدة التي تنطلق منها فإنها أساسها والتي تؤول إليها وذلك أن التقرب المعنوي إلى الله سبحانه وتعالى بالعبادة وسائر القربات لا يتأتى إلا بالمعرفة وأحكامها والتي تكون في رتبة أعلى من رتبة العمل ومن ثَمَّ فإن العلم الذي يتكفل توضيح هذه المعرفة والإستدلال عليها وما إلى ذلك هو الذي يكون له الشرف والتقدم وإلا أصبحت كل العلوم الشرعية لا أساس لها ولا معنى لها
بعض اقوال العلماء في أهمية علم العقائد على غيره وأنه متقدم رتبة على العلوم الأخرى وانه مقدم في الدرس والتدريس والمطالعة أهم من غيره/
يقول المرجع الراحل السيد الكلبيكاني رحمه في مقدمته لكتاب ابن أبي عقيل العماني وفقهه: "وبعد فلا يخفى أن علم الفقه بعد معرفة أصول الدين هو أشرف العلوم) كتاب ابن ابي عقيل العماني وفقهه ص5.
يقول المرجع الديني الشيخ الوحيد الخراساني حفظه الله:"وكل علم وإن كان بذاته شريفا إلا أن مراتب العلوم متفاوتة بسبب عدة أمور كموضوع العلم، ونتيجته، ونوع الاستدلال فيه، فالعلم الباحث عن الإنسان أشرف من العلم الباحث عن النبات، بنسبة فضل الإنسان على النبات، والعلم الباحث عن ضمان سلامة الإنسان أشرف من العلم الباحث عن ضمان أمواله، بنسبة شرف حياة الإنسان على ماله، والعلم الذي يقدم نتائجه من البرهانيات أشرف من العلم الذي يستند إلى الفرضيات، بنسبة شرف اليقين على الظن وعلى هذا، فإن أشرف العلوم هو العلم الذي موضوعه (الله) تبارك وتعالى. منهاج الصالحين للشيخ الوحيد ج1 ص11.
يقول الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر (قدس) يقول:"إن أصول الدين الخمسة التي تمثل على الصعيد العقائدي جوهر الإسلام والمحتوى الأساسي لرسالة السماء هي في نفس الوقت تمثل بأوجهها الإجتماعية على صعيد الثورة الإجتماعية التي قادها الأنبياء الصورةَ المتكاملة لأسس هذه الثورة" كتاب الإسلام يقود الحياة ص38 .
يقول الشهيد الثاني رحمه الله في معرض قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً}، قال: "وكفى بهذه الآية دليلاً على شرف العلم لا سيما علم التوحيد الذي هو أساس كل علم ومدار كل معرفة) منية المريد في آدب المفيد والمستفيد ص93
وقال أيضا في معرض آداب المعلِّم في درسه: "الثاني عشر: إذا تعددت الدروس فليقدم منها ـ أي المعلِّم ـ الأشرف فالأشرف والأهم فالأهم فيقدم أصول الدين ثم التفسير ثم الحديث ثم أصول الفقه ثم الفقه ثم النحو ثم المعاني، وعلى هذا قياس باقي العلوم بحسب مرتبتها والحاجة إليها". المصدر السابق ص211
وكذا قال في معرض تقسيم العلوم الشرعية الأصلية: "وهي(أربعة): علم الكلام وعلم الكتاب العزيز وعلم الأحاديث النبوية وعلم الأحكام الشرعية المعبر عنها بالفقه.
فأما علم الكلام: ويعبَّر عنه بأصول الدين فهو أساس العلوم الشرعية وقاعدتها لأنه به يعرف الله تعالى ورسوله وخليفته وغيرها مما يشتمل عليه، وبه يعرف صحيح الآراء من فاسدها وحقها من باطلها، وقد جاء في الحث على تعلمه وفضله كثير من الكتاب والسنة قال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ}....إلخ. المصدر السابق ص365
يقول الشيخ المتضلع المقداد السِوَرِي تلميذ العلامة الحلي رحمهما الله: معرض بيان عبارة العلامة الحلي في كتاب الباب الحادي عشر فيما يجب على عامة المكلَّفين في معرفة أصول الدين ما نصه: "وسُمِيَ هذا الفن أصولَ الدين لأن سائر العلوم الدينية من الحديث والفقه والتفسير مبنية عليه فإنها متوقفة على صدق الرسول وصدق الرسول متوقف على ثبوت المُرسِل وصفاته وعدله وامتناع القبح عليه. كتاب شرح الباب الحادي عشر ص2.
يقول المحقق الأعظم استاذ البشر الخواجة نصير الدين الطوسي (قدس): في رسالته (آداب المتعلمين) في الحث على انتخاب أجود العلوم لتحصيلها وتقديم الأهم فالأهم فيقول: "ينبغي لطالب العلم أن يختار من كل علم أحسنه وما يحتاج إليه في أمور دينه في الحال ثم ما يحتاج إليه في المآل؛ ويقدم علم التوحيد ويعرف الله بالدليل لا بالتقليد. آداب المتعلمين ص66.
وهناك الكثير من الأقوال من الفقهاء والعلماء والفلاسفة الإسلاميين الكبار وغيرهم مما يدل على عظمة علم العقائد وأنه الأهم والأشرف من بين هذه العلوم فلايقدم عليه شئ من حيث الإطلاع والدرس وغير ذلك لأنه الاس الأساس للمعارف الإلهية واليقينية وليس شئ يرتفع إلى مستواه في الرتبة .
وقد وجدت بعض الاقوال للفيلسوف الأكبر مجدد الحكمة الإسلامية الشيخ ملا صدر المتألهين وللفيض الكاشاني وغيرهما ولكن لما وجدت فيهما من صعوبة السبك في العبارة وبعض الكلمات الصعبة التي تحتاج إلى توضيح قد يطول اعرضت عن الإتيان بها والله المستعان.
وعلى ضوء ما تقدم من روايات اهل البيت في فضل المعرفة التوحيدية الإلهية يتضح لنا من ذاك وهذا أن علم العقيدة هو الأهم والأشرف على الإطلاق ومن دون منازع .
وهنا ننقل توصية وتأكيد للشيخ المحقق محمد السند البحراني دام ظله في أهمية الدرس العقائدي فيقول:
فإذن إذا كانت هذه القوة وهذه النعمة الوجودية التي هي رأس مال خطير أعطاه الله للإنسان وهي قوة العقل والتي بتوسطها يمتحن الله الإنسان أعظم الإمتحانات وبها امتاز عن بقية المخلوقات، فلا بد للإنسان أن لا يقف عن تحريكها وتطويرها وأن لا يعطلها ولا يتوهم أنه اكتفى في مرحلة ما في دراسته المعارف وتعلمها لأن معارف الدين بحر واسع وإن قلنا التمسك بالضروريات هو التمسك بالعروة الوثقى ولكن لكي يكون للإنسان أكثر فطنة وبصيرة ونفاذاً فالحذر كل الحذر من تعطيل بحث المعارف والعقائد إذ به نجاة الدين فإن مما رواه الفريقان وهو مدار ملاحم تفسيرية علمية بين العلماء أن النبي قال:العلوم كلها فضلة إلا ثلاث: آية محكمة وسنة قائمة وفريضة عادلة فالآية المحكمة يعني العقائد والسنة والقائمة يعني تهذيب الأخلاق أو العلوم التي تبحث عن النفس والتي تؤدي لمعرفة النفس فإنه مَن عرف نفسه عرف ربه ومَن مَلَكَ نفسه هُدِي واستقام فهذه العلوم التي تبحث عن النفس وأخلاقها وبالتالي عن رياضات النفس هي سنة قائمة والفريضة العادلة هي الفقه أي فقه الفروع فإذن العلوم المهمة التي يجب على الإنسان أن يتعلمها هي ثلاثة محاور تكمل بعضها البعض ولا ينبغي التقصير والتماهل في واحد منها فإذا استطاع طالب العلم أن يُشْبِعَ البحث والمعرفة ويدأب إلى آخر عمره في السير فيها فإنه لن يباغت ولن يغدر به ولن تتكأده القيام بالمسؤولية لأن وظيفة طلبة العلوم الدينية هي المرابطة في الثغور الخطيرة الأساسية وحماية الدين في تلك الثغور الثلاثة فإذا أحكمنا فيها المرابطة فلن يستطيع العدو أن يباغت حمى الدين وذلك بأن تتكامل عندنا هذه المحاور الثلاثة من العلوم إذ بها نحمي الدين فإن هذه وصية إعجازية من النبي في القدرة على حفظ الدين وعجز العدو طوال تاريخ البشرية إذن فمن الضروري عدم حصر التكثيف في فقه الفروع وعلم أصول الفقه على المحورين الآخرَين وهذا لا يعني عدم الإهتمام بعلم الفقه وأصوله ولكنَّا نقول لا بد من توازنه مع العقائد بأنهما كما يقول العلماء الأكابر المتقدمون: جناحان يطير بهما العالم فقه الفروع والفقه الأكبر وهو العقائد، بل حتى الفقه الأوسط وهو تهذيب النفس فهذه مراتب ثلاث إذا أحكمها طالب العلم آية محكمة وسنة قائمة وفريضة عادلة فإنه سوف تكون له أجنحة يطير بها إلى ما شاء الله وإلا فإن تكثيف وإشباع أحدهما على حساب الآخر يكون المسير كمسير الأعرج برجل واحدة فلا بد من الموازنة والمواظبة على هذين الخطين المتوازيين. (كتاب دعوى السفارة في الغيبة الكبرى سماحة الشيخ محمد السند ج2 ص435)
(يتبع إن شاء الله)