بسم الله الرحمن الرحيم
(القسم الأول)
موضوعنا اليوم قد يكون غريبا نوعا ما لكنه في الأهمية لا يقل عن معرفة اصول الدين وفروعه وكذا ضروريات الدين والمذهب، وكلامنا حول موضوع في مهم جداً متى ما عرفناه انحلت عنا مشاكل فكرية كبيرة وتفككت شبهات عن ذهننا عويصة، وهذا الموضوع لابد أن يفهمه الجميع لأن الشبهات التي تحيق وتحيط بنا سببها شبهات نعتبرها صغيرة لكنها في نفسها كبيرة بل واشكل المشكلات.
موضوعنا هو (الشك) ما هو وأنواعه وأسبابه إلخ...
* ماهو الشك:
الشك في اللغة نقيض اليقين ويقال ايضا انه التردد أي كمن يشك بين الركعتين أو الثلاث فلها حكم وكذا المتردد بين طريقين أو أكثر فإنه يستعين بالطوارئ أو المرور اي ليس عنده يقين بما سيقوم به وهكذا.
والشك أيضاً هي تلك الحالة التي تعتور الإنسان في كثير من الأحيان فتارة تراه يذعن لحكم معين أو قانون ما ثم يشكك فيه فيقول مثلا: لماذا هذا الحكم هكذا قاس؟ أو يقول: هل في هذا القانون مصلحة ما؟ فتراه يشكك في الحكم الفقهي مثلا وهو يذعن أنه من الشرع المقدس وليس من جيوب الفقهاء بل استنباط من الآيات والروايات، ويعلم علم اليقين أن هذا القانون الإلهي أو ذاك في مصلحته أو لدفع المفسدة عنه ويقر بأن الله حكيم عادل لا يفعل القبيح ولكن في بعض أحيانه تجده يشكك لسبب او لآخر.
ولذا هنا لابد من التفريق بين من يكون وسيلته هو الشك في الوصول إلى الحقيقة والمعرفة وبين من كان غايته هو التشكيك والشك فعلى الأمر الأول يكون أمرا محمودا إذ إننا نرى كثيرا من علماء الغرب لم يصلوا إلى حقيقة أن الإسلام هو الدين الصحيح إلا بعد أن شكك في كل ما يعتقده من معتقدات وجعلها في دوامة الشك والتشكيك هذا أعتقد به وهو صحيح ولكن مالذي يثبت لي أنه صحيح فيبدأ ويشكك في معتقده حتى وصل إلى أن الله موجود وهو خالق كل شئ ولا يوجد شئ قبله كما حصل للفيسلوف الكبير (رينيه ديكارت) وغيره فقد شكك في كل شئ حتى في الله ولكن لم يكن شكه هو الغاية بل جعله منطلقا له ليعرف الحقيقة وأن يكون بعد ذلك على معرفة لا تهزها رياح الشبهات فوصل إلى ما وصل إليه وكان له دور كبير في انقاذ المجتمع الغربي من الإنحلال والفساد الأخلاقي وغير ذلك قبل حوالي 600 سنة تقريباً.
* أنواع الشك:
وله تقسيمات كثيرة منها:
1ـ الشك منهج وطريق للحقيقة.
2ـ الشك غاية!
أما الشك المنهجي:
وهو شك يطرأ على ذهن الإنسان ثم يزول بعد فترة ويتبدل إلى اليقين.
ولكن كيف ذلك؟ الانسان يعيش في هذا العالم وهو مليئ بالشبهات والإنحلالات الأخلاقية والفساد الإجتماعي فبسبب هذا الإزدحام وبسبب ما يراه من صراع بين الخير والشر يبدأ بالشك ويشكك في لماذا هناك خير وشر ولماذا بعض الناس منحلون أخلاقيا؟ ولماذا لاتكون هناك دولة عادلة فيؤخذ من القوي ويعطى للضعيف وينصر المظلوم ويجازى الظالم؟ فيبدأ بتساؤلات كثيرة حتى تقوده إلى أن هذا العالم هو عالم التضاد أي مادام أن هناك قوى خيرية فإنه بطبيعة الحال تكون هناك قوى شريرة تحاول التغلب على الخير وأهله.
ويبدأ بالتفكير في أن الفساد الأخلاقي ليس إلا لغلبة القوى الشريرة في العالم ويراها أنها بداعي الحرية والديموقراطية وعدم تحجير الذهن وعدم الإنصياع للدين قد جرت القوى الشريرةُ العالمَ إلى الحضيض فأصبح العالم كالغابة وتارة أخرى كحديقة الحيوان وتارة أخرى كالحيوانات المشردة.
فهو كالغابة من باب أننا نرى الدول الكبرى تسيطر على موارد ومصادر الطاقة بجميع أشكالها في الدول الصغيرة بل وتدخلها في حروب طاحنة من أجل ذلك فتقتل وتشرد وتذبح وتجوع وغير ذلك.
وأما كحديقة الحيوان فإنك ترى الحيوانات والطيور في وقت التناسل لا حياء وخشية من نظر الآخرين فهكذا العالم الغربي الآن لا يبالون بما يفعلونه من معاصي وتفسخ أخلاقي، والكناية أبلغ.
وكالحيوانات المشردة سواء كان بإفراط في التعامل بالضرب والتفسخ والإنحلال العقائدي والأخلاقي أو بتفريط منه أو منهم فيشرد الإنسان سواء كان بسببه هو أو بسبب آخرين.
والنتيجة تجد هذا الذي جعل يشكك في العالم فيصل إلى نتيجة حتمية وهي أنه هذا العالم كان له بداية ونحن كل ما له بداية ينتهي من أصغر ذرة إلى أعظم مجرة فإذا كان كذلك فلابد للشر أن يأتي عليه يوم وينتهي ويكون العالم في خير محض.
فعبر هذا النوع من الشك يقدر الإنسان على الوصول إلى الحقيقة والمعرفة التامة وهو شك منهجي أي وسيلة للوصول إلى الغاية والهدف وهو (معرفة الحقيقة) ولكن يبقى السؤال هل يحق لنا ذلك؟
طبعا لاشك أن الدخول في أمور عقائدية وفلسفية خطيرة كهذه وغير التي ذكرناها لأنها تعمتمد على دراسات فلسفية وعقلية مكثفة جدا تستمر إلى عشرات السنين فبدون هذا العلم لا يجوز الدخول في أمر قد يذهب بك إلى الضلال. وهذا واضح في فتاوى العلماء والفقهاء، فراجع.
(يتبع)