بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على فاطمة وابيها وبعلها وبنيها والسر المستودع فيها
أحببت توسيع ما طرحه الأخ (بوسارة) في موضوعه التقليد في الإعتقاد حيث جاء برأي سماحة آية الله المحقق السيد الحيدري أطال الله عمره
ولكن حتى يستوعب القراء المسألة لا بد من تحريرها ولو اختصارا حتى يقف القارئ على شاطئ الأمان من الزيغ والإنحراف عن جادة الصواب وهنا نقول:
إن مسالة التقليد بشكل عام مسالة فقهية وهي ترجع الى حكم وفتوى الفقيه والمرجع سواء كان في الفقه او العقائد من حيث الموضوع
ولكن الفارق في ذلك هو ان في الفقه يجب الرجوع فيه الى نفس المرجع الذي يجب على المكلف تقليده فعلا وهو المجتهد الحي العادل الجامع لشروط التقليد ومنها (الأعلمية)
أما في العقائد أو في العلوم الأخرى ـ فلا يجب ذلك حتى لو لم يكن مرجعا فضلا عن أن يكون هو (الاعلم) ـ وهنا يوجد اختلاف بين الفقهاء وقبل أن نورد شيئا من آرائهم نؤكد على أن الجامع بين هذه الآراء مع اختلافها سعة وضيقا هو (رجوع غير المتخصص إلى الخبير المتخصص)
الأول/ وهو حرمة التقليد في العقائد: ذهب إليه العلامة ابن المطهر الحلي حيث يقول: (أجمع العلماء كافة على وجوب معرفة الله تعالى وصفاته الثبوتية والسلبية وما يصح عليه وما يمتنع عنه والنبوة والإمامة والمعاد، بالدليل لا بالتقليد)(1) .
وقال تلميذه المقداد السِوَرِي: (ولا يجوز معرفة الله بالتقليد والتقليد هو قبول قول الغير من غير دليل. وإنما قلنا ذلك لوجهين: الأول: أنه إذا تساوى الناس في العلم، واختلفوا في المعتقدات، فإما أن يعتقد المكلف بجميع ما يعتقدونه، فيلزم اجتماع المتنافيات، أو البعض دون البعض، فأما أن يكون المرجح أو لا، فإن كان الأول فالمرجح هو الدليل وإن كان الثاني، فيلزم الترجيح بلا مرجح وهو محال.
الثاني: أنه تعالى ذم التقليد بقوله: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} وحث على النظر والإستدلال بقول تعالى: {فـاِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (2)
وخواجة نصير الدين الطوسي(3) .
والمحقق الخونساري (4) .
والسيد كاظم اليزدي (5)
وكذا المولى النراقي (6) .
هذه جملة من آراء بعض فقهائنا الكبار القدماء أعرضنا عن ذكر بعض الىراء وأشرنا إلى المصدر مراعاة للإختصار.
الرأي الثاني/ وهو جواز التقليد في أصول الدين (إن حصل منه الإطمئنان واليقين والجزم)
وعليه رأي الشيخ الأنصاري (7).
والإمام الاكبر السيد الخوئي يقول: قد عرفت أن التقليد هو الإستناد إلى فتوى الغير في مقام العمل، والوجه في وجوبه على ما قدمناه استقلال العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب ولا يتأتى هذا فيما اعتبر فيه اليقين
والاعتقاد كما في الأصول كالتوحيد والنبوة والمعاد، لوضوح أنه لا عمل في تلك الأمور حتى يستند فيها إلى قول الغير أو لا يستند، فإن المطلوب فيها هو اليقين والاعتقاد ونحوهما مما لا يمكن أن يحصل بالتقليد فلا معنى له في
مثلها...وإن كان الصحيح جواز الاكتفاء به، إذ المطلوب في الإعتقاديات هو العلم واليقين بلا فرق في ذلك بين أسبابهما وطرقهما. بل حصول اليقين من قول الغير يرجع في الحقيقة إلى اليقين بالبرهان لأنه يتشكل عند المكلف
حينئذ صغرى وكبرى فيقول: هذا ما أخبر به أو اعتقده جماعة، وما أخبر به جماعة فهو حق ونتيجتهما أن ذلك الأمر حق فيحصل فيه اليقين بإخبارهم) (8).
والإمام الخميني يقول: (...يجب على كلّ مكلّف غير بالغ مرتبة الاجتهاد في غير الضروريّات من عباداته و معاملاته - ولو في المستحبّات والمباحات - أن يكون إمّا مقلّدا أو محتاطا...) (9).
والسيد السيستاني يقول: الظاهر جواز الإعتماد في تشخيصها على قول مَن يوثق يقوله في ذلك ولاتعتبر فيه الشرائط المعتبرة في مرجع التقليد. (10).
وغيرهم من الأعلام والمراجع الكبار.
الثالث/ وهو رأي تفرد به الإمام السيد محسن الحكيم وهو رأي بالتفصيل (فتارة يحرم الرجوع إلى المختص إن كان يؤدي إلى خلل العقيدة، وتارة يجب إن كان ترك التقليد يوجب الضلال والإنحراف وتارة يجوز) (11)
هذا شئ يسير من فتاوى بعض أعلامنا الذين نحن نقلدهم بشكل عام
وهذا يعني أن الرجوع إلى المتخصص أمر عقلائي حيث يرجع العامي إلى النجار في النجارة والى الحداد في أمور الحدادة وغير ذلك..
وكذا إلى الطبيب في الأمور الطبية والمحامي في القانون وما إلى ذلك....
إذن يتضح لنا أن رجوع المكلف العامي الغير متخصص إلى المتخصص أمر يلزمه العقل وعدم ذلك قبيح عقلا وشرعا...
فمن غير الصحيح أن يتشدق الإنسان بكلمتين تعلمها وهو لا يعلم اصل واساس القاعدة العقلية أو الشرعية التي يستند إليها هذا المعتقد أو ذاك
فليست المسألة صحيح أو ضعيف أو حسن أو مكذوب
فلرب رواية يوجد في سندها من هو كذاب فعلا ولكن نفس متن الرواية يحل معضلات ومشكلات كبرى في العقيدة حيث لا يتعارض متنها مع القواعد العقلية والنقلية
وكثيرة هي الروايات الضعيفة السند سواء لجهالة الراوي أو لإهماله من قبل العلماء أو أو أو
ولكن نفس المتون هي تثبت نفسها بنفسها على صحتها وصحة صدورها من المعصوم وهذا أمر في غاية الصعوبة وهو فهم صحة الرواية من غير النظر إلى الإسناد حيث يحتاج إلى معرفة كبيرة في القواعد العقلية والنقلية في ذلك.
يقول المحدث الاكبر الفيلسوف العظيم الملا محسن الفيض الكاشاني (قدس): "وليس لهذا الأمر ـ الخطير ـ إلا ناقد بصير ينظر بنور الله ويؤيده روح القدس بإذن الله ليشاهد صدق الحديث وصحته من إشراق نوره ويعرف كذبه وضعفه من لحن القول وزوره فيصحح الأخبار بالمتون دون الأسانيد (12)
وهذا كلام من مخض العلم مخضا وكتبه محل للنظر والإستدلال والعناية من العلماء
وعموما فالتقليد في العقائد وهو رجوع غير المختص إلى المختص لهو أمر محمود وراجح عقلا وشرعا
ونصيحتي: هي أن يلتزم كل منا بقول المتخصصين في كل علم إلا إن كان ذلك الأمر يخالف الشرع والعقل فهنا يكون الشرع حاكم على كل شئ
ولا أحد منا يتدخل فيما لا يعنيه وكفانا هزلاً وقد بينا كثيرا مما نريد في نقاشاتنا السابقة
فمن أراد العلم فهذا العلم ينتظر من يغوص فيه غوصا ويلجه بقلب جامد يفلق الصخر فليس من الصحيح التدخل في أمور ترتبط بتخصصات يفني العلماء أعمارهم في تنقيحها ونحن هكذا جزافا نتلاعب بها على ذقون الناس وليت أنها تنفع الناس في مشاربهم ومآربهم بل هي لأمور لا نريد ذكرها ( والكناية أبلغ من التصريح)
تنبيه وتذكير مهم جداً/
تأكدنا الآن بعد نقل شئ من أقوال علماء الطائفة وبعض مراجعنا المعاصرين من رجوع غير المختص إلى المختص في العقائد.
ولكن يوجد في الدين والمذهب الحق ما هو ضروري الإعتقاد كأحكام الشرع كوجوب الصلاة والصيام والحج والخمس والزكاة والمعاد والحشر والنشر والبعث والحساب والجنة والنار والعقاب والثواب وغير ذلك في الدين وغير ذلك فمن أنكر شيئا منها فهو خارج عن ربقة الأسلام لاستلزامه تكذيب النبي الصادق الأمين وتكذيب الله جل وعلا.
وهناك ماهو ضروري الإعتقاد به في المذهب كوجوب الإعتقاد بالرجعة والإعتقاد بالإمامة ( على من اختار أنها من ضروريات المذهب لا من ضروريات الدين وإن كانت من ضروريات الدين كما هو رأي السيد السيسالتاني وكثير من الفقهاء والمراجع) والنص والعصمة وحجية السيدة الزهراء وأفضلية أمير المؤمنين على سائر الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وآله والإعتقاد بمصيبة أهل البيت وما جرى عليهم من ويلات ابتداءا من النبي الأعظم والسيدة الزهراء إلى آخر الحجج الحجة المنتظر فمن أنكر شيئا منها فهو خارج عن التشيع، باتفاق الأعلام والعلماء.
تنبيه آخر/
ما هو المقصود بالمختص؟ طبعا التعبير بالمختص لا يكون لمن قرأ واطلع كثيرا وحسب بل من كان شغله الشاغل هو هذا الأمر وألف وبحث وحقق ودقق وصار رأيه من الأهمية بمكان لا من قرأ له كتابين أو ثلاثة أو اطلع على بعض الدروس وغير ذلك فهذا الخير لا يسمى مختصا بل وكذا من يحقق ويدقق ولكنه يخالف ما تسالم وما تواتر وما استفاض من أنه ضروري الإعتقاد فهذا وإن كان مختصا إلا أنه يوجب الريب والشك والحيرة في قلوب الناس من مخالفته ضروريات الدين.
إذن / المختص من كان دارسا فاهما مؤلفا محققا مثبتا لعقيدة الناس خائفا على تزلزل عقائدهم لا من يخالف المشهور ويجعل نفسه محطا للخلاف والنزاع والشقاق وتكذيب علماء المذهب ورميهم بالتزوير والتحريف
هذا ما أحببنا الإشارة إليه وعسى أن تكون تذكرة لمن أراد أن يتذكر وأن تكون تنويرا لمن أراد ان يستنير وإن شاء الله تفي بالمطلوب وتوصل المقصود وترسخ المعلوم وتؤكد المعقول
والله الهادي لسواء السبيل
هو خير ناصر ومعين
المصادر/
1ـ كتاب الباب الحادي عشر ص3
2ـ شرح كتاب الباب الحادي عشر ص4
3ـ كتاب آداب المتعلمين ص67 تحقيق السيد محمد رضا الجلالي
4ـ كتاب المبدأ والمعاد ص11
5ـ العروة في العروة في باب التقليد مسالة 6
6ـ كتاب أنيس الموحدين ص39
7ـ فرائد الأصول للشيخ الأعظم من ص169 إلى ص175
8ـ تنقيح العروة الوثقى ج1 مسألة 67 ص348
9ـ تحرير الوسيلة ج1 مسالة1
10ـ العروة الوثقى ج1 باب التقليد مسالة 6 حاشية رقم 5 ص10
11ـ مستمسك العروة الوثقى ج1 ص104
12ـ تفسير الصافي ج1 ص11.
(الموضوع من إنشائي)