منتديات الطرف

منتديات الطرف (www.altaraf.com/vb/index.php)
-   ۞ ۩ ۞ الواحة الإسلامية ۞ ۩ ۞ (www.altaraf.com/vb/forumdisplay.php?f=26)
-   -   نداء الحج للسيد القائد حفظه الله (www.altaraf.com/vb/showthread.php?t=36086)

أحسائي 27-12-2006 11:19 AM

نداء الحج للسيد القائد حفظه الله
 
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين. والصلاة والسلام على سيدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيبين الطاهرين.

قال الله الحكيم: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}[1].

أطل علينا موسم الحجّ، وملأت نغمة التلبية المتصاعدة من قلوب المشتاقين; حرم الأمن الإلهي، وهرعت الشعوب الإسلاميّة من أرجاء المعمورة الى ميعاد الذكر والاستغفار والقيام والاتحاد، وتلاقى الأُخوّة المتباعدون...

أتوجّه إلى الله العزيز الحكيم شاكراً خاضعاً، وأحمده حمداً عظيماً عظمَ صفاته الحسنى، وأثني عليه سبحانه ثناءً واسعاً، سعةَ بحار رحمته، أن وفّق المسلمين المشتاقين مرّةً أخرى لأداء هذه الفريضة، وأعلا ـ جلّ شأنه ـ بذلك رايةَ العزّة والعظمة على رؤوس المسلمين في بيته الآمن، واستضاف الحجاج الإيرانيين أيضاً على مائدة الرحمة والعظمة. إنّ الإنسان ليعجز عن وصف هذه النعمة الكبرى وقدرها وإن أُوتي فصاحة اللسان وقوّة البيان. ولعلّ الله سبحانه ينير قلوبكم المضيئة المشتاقة فتتجلّى فيها تلك الحقيقة المستغنية عن وسائط القول والكلام.

أيّها الإخوة والأخوات من أيّ بلد كنتم وإلى أيّ شعب انتميتم; إنّ ما يهمّني أن أقوله لكم هو أنّ الحجَّ نعمة إلهيّة مَنَّ بها الله سبحانه على الأجيال المسلمة. وشكر هذه النعمة ومعرفة قدرها يزيدها، والكفران بها ونكران قدرها يسلبها من المسلمين وهو العذاب الإلهي الشديد: {وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}.

واعلموا أنّ سلب نعمة الحجّ ليس في عدم توجّه المسلمين لأداء هذه الفريضة، بل في حرمان المسلمين من منافعه التي لا تحصى، وزيادة هذه النعمة ليس في زيادة عدد الحجاج كلّ عام، بل في استثمار منافعه: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ}.

جدير بنا أن نفكّر جيّداً، هل العالم الإسلامي استطاع أن يستثمر منافع الحج؟ وما هي هذه المنافع أساساً؟

الحج الصحيح يستطيع أن يحدث تغييراً في المحتوى الداخلي لكلِّ فرد من أفراد المسلمين. يستطيع أن يغرس في نفوسهم روح التوحيد، والارتباط بالله، والاعتماد عليه، وروح الفرض لكلّ الأصنام الداخلية والخارجية في وجود الكائن البشري، هذه الأصنام المتمثلة في الأهواء والشهوات الدنيئة، والقوى الطاغية المسيطرة. الحجُّ يستطيع أن يرسّخ الإحساس بالقدرة والاعتمادَ على النفس والفلاحَ والتضحية. ومثل هذا التحوّل يستطيع أن يصنع من كلّ إنسان موجوداً لا يعرف الفشل ولا ينثني أمام التهديد ولا يضعف أمام التطميع.

والحجّ الصحيح يستطيع أن يصنع من الأشلاء الممزّقة لجسد. الأُمة الإسلاميّة كياناً واحداً فاعلاً مقتدراً، وأن يجعل هذه الأجزاء المتفرقة تتعارف وتتبادل الحديث عن الآمال والآلام، والتطورات والاحتياجات المتقابلة، والتجارب المستحصلة.

ولو أنّ الحجّ وضع ضمن إطار برنامج يتوخّى هذه الأهداف والنتائج وتتضافر عليه جهود الحكومات والعلماء، وأصحاب الرأي والكلمة في العالم الإسلامي، لعاد على الأُمّة الإسلاميّة بعطاء ثرّ; لا يمكن مقارنته بأيّ عطاء آخر في دنيا الإسلام. كما يمكن القول بكل ثقة: إنّ هذا التكليف الإلهي وحده، لو استثمر استثماراً صحيحاً كما أرادته الشريعةُ الإسلاميّة، لاستطاع بعد مدة غير طويلة أن يبلغ بالأُمّة الإسلاميّة ما يليق بها من عزّة ومنعة.

لا بُدَّ من أن نذعن بمرارة إلى أنّ الفاصلة كبيرة بين الشكل الحالي لأداء هذه الفريضة الإلهية والشكل المطلوب. الإمام الراحل العظيم بذل جهوداً فعّالة في هذا السبيل، ووضع نصب أعين الأُمّة الإسلاميّة تصويراً واضحاً عن الحجّ الإبراهيمي، حجّ العظمة والعزة، حجّ الرفض والتحوّل. وكان طرح هذا التصوّر بحد ذاته مبعث بركات وافرة في العالم الإسلاميّ. غير أنّ نشر هذه الفكرة وهذا المنهج العملي بين جميع الشعوب المسلمة بحاجة إلى جهود مخلصة ينهض بها علماء الدين، ووعي وتعاون يبديه حكام كلِّ البلدان الإسلاميّة، وآمل أن تكون هذه المهمّة الحساسة موضع اهتمامهم وعملهم.

*****

{وَأذِّنْ فِي النَّاسِ بِالحَجِّ يَأتُوكَ رِجَالا وَعلى كُلِّ ضَامِر يَأتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَميق}[2].

أقبل شهر ذي الحجة الحرام بكلِّ ما يحمله من عطاء أبدي للأمة الإسلاميّة.

حمداً لله ـ سبحانه ـ على ما أنعم به من هدية خالدة وينبوع دفّاق، يستطيع المسلمون أن يتزوّدوا منهما كلّ سنة بقدر همتهم وبقدر معرفتهم.

المصالح والمنافع التي أودعها العِلم الإلهي والحكمة الإلهية في فريضة الحجِّ تبلغ من السعة والتنوّع بحيث لا يُرى لها شبيه في فريضة إسلاميّة أخرى. الذكر والحضور المعنوي، ووعي الإنسان المسلم لنفسه في خلوته مع الله، وغسل القلب من صدأ الذنب والغفلة، وإحساس الحضور في المجموع، واستشعار وحدة كلّ مسلم مع جميع الأمّة المسلمة، وتحسّس القدرة المنبثقة عن عظمة جماعة المسلمين، وسعي كلّ فرد لأن يَبْرأ من أسقامه وأمراضه المعنوية، أي الذنوب، ثم البحث والسعي لمعرفة ما يعاني منه جسدُ الأمّة المسلمة من آلام وجراحات عميقة، ومعرفة دوائها وعلاجها، ومواساة الشعوب المسلمة التي تشكل أعضاء هذا الجسد العظيم... كلُّ ذلك قد أودع في الحجّ.. في تركيب أعماله ومناسكه المختلفة.

القرآن يطلق على أعمال الحجّ اسم «الشعائر». وهذا يعني أنها لا تنحصر في أعمال فردية وتكاليف شخصية، بل إنها معالم تثير شعور الإنسان وتفتح معرفته على ما ترمز له تلك المعالم وتدل عليه. ووراء هذه المعالم يقف التوحيد، أي رفض كلّ القوى التي تهيمن بشكل من الأشكال على جسم الإنسان وروحه، وترسيخ الحاكمية الإلهية المطلقة على كلّ الوجود، وبعبارة واضحة ومألوفة: حاكمية النظام الإسلاميِّ والقوانين الإسلاميّة على الحياة الفردية والاجتماعية للمسلمين.

*****

... في آيات الحج نرى القرآن يدعو الجميع إلى البراءة من أوثان المشركين: {...فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ...}[3].

وهذه الأوثان كانت يوماً تلك الأوثان المنتصبة في الكعبة، لكنها اليوم ودائماً، تلك القوى التي تمسك ـ دون حقّ ـ بزمام الحاكمية على نظام حياة البشر، وتتجلّى اليوم بوضوح أكثر في قدرة الاستكبار وقدرة أمريكا الشيطانية، وقدرة ثقافة الغرب، والفساد والتحلّل المفروض على البلدان والشعوب المسلمة. واضح أنّ أذناب الحكومات المهزوزة ومأجوريها يُصرّون على أنّ الأوثان ليست إلاّ «منات» و«لات» و«هبل»، التي سُحقت وحُطّمت تحت أقدام جيش

رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الفتح الإسلامي الظافر.

هدف وعّاظ السلاطين هؤلاء أن يفرغوا الحجَّ ـ كما يصرّحون هم بذلك ـ من أيّ محتوى سياسي... غافلين أن هذا التجمع المليوني الإسلامي من كلّ حدب وصوب، في بقعة معيّنة وفي زمان معيّن، ينطوي بنفسه على أكبر مضمون سياسي، إنه استعراض للأُمّة الإسلامية تذوب فيه الاختلافات العنصرية واللغوية والجغرافية والتاريخية، وينبثق منه «كلّ» واحد.

هؤلاء وأسيادهم يلفّقون كلّ ألوان الأكاذيب والخداع والأباطيل من أجل أن لا يعي المسلمون حقيقة هذا التجمع الكبير، وأن لا يستشعروا الروح الجماعية فيه.. ولكي يضيّقوا الساحة على الداعين إلى الوحدة، والمنادين بالبراءة من أئمة الشرك.

إيران الإسلام أرادت أن تقوم بأقلّ عمل ـ إن لم يكن بأكبر عمل ـ يتناسب مع موضوع الحج، وهو دعوة المسلمين إلى الاتّحاد، وتبادل الأخبار بين الشعوب، وإعلان النفرة والبراءة من أئمة الشرك والفساد. وكلّ من يجابه هذه الأهداف السامية القيّمة، فهو مهما قال، فقد قال زوراً. والقرآن يقول: {... وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ}[4].

«قول الزور» هو ذلك الحديث الباطل الذي يسيء إلى الجمهورية الإسلامية، لأنّ الجمهورية الإسلامية رفضت حاكمية دولة الصهاينة على فلسطين الإسلاميّة، وردّت كلّ تسوية تقوم بها حفنة من الفاسدين المطرودين مع الغاصبين، وأدانت التدخّل الأميركي الاستيلائي في البلدان العربية، واستنكرت خيانة بعض حكّام العالم الإسلامي لشعوبهم المسلمة إرضاءً لأمريكا والصهيونية، ودعت المسلمين إلى معرفة قوَّتهم الكبرى التي لا تقوى أية قوة كبرى اليوم أن تقف بوجهها، وقرّرت أن المعرفة الإسلامية وأحكام الشريعة قادرة على إدارة البلدان الإسلاميّة، وحذّرت من غارة الثقافة الغربية على البلدان الإسلاميّة، متمثلة في التعرّي والسكر وزلزلة الإيمان... وبعبارة موجزة أصرّت على إتباع القرآن.

واليوم فإنّ أي بلد من البلدان الإسلاميّة يعلن صراحة مثل هذا التبنّي وهذه المواقف، أي يرفض إسرائيل الغاصبة، ويرفض التدخّل الأمريكي المتغطرس، ويرفض الانغماس في الخمور والتحلل والفساد الجنسي واختلاط الجنسين، ويرفض الاتفاق مع الصهاينة المغتصبين، ويدعو المسلمين إلى الوحدة والمقاومة أمام القوى الكبرى، وإلى تطبيق الأحكام الإسلاميّة في الحكم والاقتصاد والسياسة وغيرها من مجالات الحياة....

*****

... وإذ وفّق الله ـ سبحانه ـ جمعاً من السعداء الذين توافدوا من كلّ فجٍّ عميق; لينالوا حظّهم من الأيام المعلومات وحج بيت الله الحرام، فإني أتضرّع وأبتهل إلى الله ـ سبحانه وتعالى ـ أن يكون حجّهم مقبولا مأجوراً، وأن ينعم بمنافعه على كلّ الأُمة المسلمة، وأتقدّم ضمناً بتوصيات إلى الإخوة والأخوات بما يلي:

1 ـ اِغتنموا هذه الفرصة لبناء النفس والإنابة والتضرّع وخذوا منها زادكم المعنوي لجميع عمركم.

2 ـ اِسألوا الله سبحانه أن يفرّج عن المسلمين مشاكلهم الكبرى، وكرّروا هذا الطلب مرّات ومرّات في أدعيتكم ومناجاتكم.

3 ـ اِغتنموا كلّ فرصة للتعرّف على المسلمين الوافدين من جميع أرجاء العالم، واستفيدوا ممّا في مجريات حياتهم من جوانب سلبية أو إيجابية.

وعلى المسلمين، غير الإيرانيين خاصة، أن يسمعوا حقائق وقضايا إيران الإسلام من لسان إخوتهم الإيرانيين، ليميزوا الصحيح عن غير الصحيح ممّا سمعوه بشأنهم من الإعلام العالمي.

وليسعوا اليوم ودائماً أن يستوعبوا تعاليم الإمام الراحل العظيم الإمام الخميني ـ رضوان الله تعالى عليه ـ بشأن ما يرتبط بمسائل المسلمين، وأن يتعرّفوا عن قرب، وبشكل أفضل، على هذا المصلح الكبير في تأريخ الإسلام.

4 ـ انقلوا كلّ معلوماتكم واطلاعاتكم الصحيحة عن وضع الأُمّة الإسلامية، أو عن بلدكم إلى المسلمين القادمين من البلدان الأُخرى.

5 ـ في حديثكم مع إخوانكم المسلمين، من أي صقع كانوا، ركّزوا على مسألة «الأُمة الإسلامية» والنظرة الشمولية التوحيدية للعالم الإسلامي، ولتتجاوز أفكاركم وأفكار من تحاورونه إطار الحدود الجغرافية والعنصرية والعقائدية والحزبية وأمثالها، وارتفعوا إلى مستوى هموم الإسلام والمسلمين.

6 ـ ذكّروا مخاطبيكم دائماً بما أنعم الله به على المسلمين من نفوس تزيد على المليار، وبلدان تبلغ العشرات، ومن ثروات مادية ومعنوية ضخمة، وتراث عظيم ثقافي وحضاري وديني وأخلاقي.

7 ـ حطّموا أُسطورة قدرة الغرب التي لا تقهر! خصوصاً أمريكا. هذه الأُسطورة التي يحاول الاستكبار العالمي دائماً أن يلقيها في أذهان المسلمين عن طريق تهويل قوّته. وذكّروا أنفسكم وذكّروا المسلمين الآخرين; أنّ قوّة المعسكر الشيوعي، التي كانت تبدو أنها لا تقهر، قد تحطّمت منذ قريب أمام أعين هذا الجيل، وأصبحت أثراً بعد عين..

القوى المتعملقة الحالية، ومنها قوّة أميركا، هي الأُخرى من الممكن أن تنهار بالسهولة نفسها وينقطع أثرها.

8 ـ ذكّروا علماء الدين والمثقّفين في البلدان المسلمة بمسؤولياتهم الكبرى الثقيلة دائماً، وذكّروا الآخرين أيضاً بذلك.

9 ـ انطلاقاً من واجب النصيحة لأئمة المسلمين، ذكّروا زعماء البلدان المسلمة بمسؤولياتهم تجاه الأُمة المسلمة، وتجاه إقامة وحدة المسلمين والابتعاد عن القوى الاستكبارية.. ذكّروهم بضرورة التوجه إلى شعوبهم والاعتماد عليها، وإحلال الرابطة الحسنة بين الشعوب والحكّام. واطلبوا من الله سبحانه إصلاح أُمورهم.

10 ـ كونوا متفهّمين دائماً أن مسؤولية الزعماء لا تعني رفع المسؤولية عن كلّ فرد من أفراد الشعوب المسلمة، فكل أبناء الأُمة يستطيعون أن يكون لهم دور فاعل في كل هذه الأهداف الكبرى.

آمل من الله بفضله، وبدعاء وليّ الله الأعظم المهدي المنتظر (أرواحنا فداه وعجّل الله تعالى فرجه) أن يمنّ بحج مقبول على الحجّاج المحترمين، وبرحمة واسعة ونعمة سابغة على الأُمة الإسلامية وآحاد المسلمين.

*****

قال الله الحكيم: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}[5].

شاءت الإرادة الإلهية النافذة أن تجمع المؤمنين مرّة أُخرى في منبثق التوحيد، ومشهد رحمة ربّ العالمين وفضله، وحول محور كعبة القلوب، وفي ساحة قبلة أرواح المسلمين في العالم... فتفوّق النداء الملكوتي: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ} على كلّ الفواصل الطبيعية منها والمفتعلة المفروضة بين الإخوة المسلمين، ودفع مجاميع القلوب النابضة بالإيمان والآمال المشتركة نحو مركز التوحّد ووحدة الأمة. منذ سنوات طوال سعت يد الجهل والعناد إلى أن تفصل الأسرة الإسلامية الكبرى عن حضورها العقائدي، وعن روابطها الإيمانية.

ولكن فريضة الحجّ السنوية تؤدّي دورها في تغذية الأسرة العريقة الأصيلة بدرس التوحيد والوحدة... وفي كلّ سنة تنفتح أزاهير جديدة، تزيد عمّا مضى، مبشّرةً بعودة ربيع الإيمان، والحياة في ظل الدين، والتآلف والتوادد بين المسلمين... ومحبطة عمل الأعداء وما كانوا يأفكون.

إنّها لمعجزةُ الحجّ أن نرى الوشائج الفكرية والعاطفية والإيمانية بين الشعوب المسلمة لمّا تنقطع أبداً، وأن التفاعل بين هذه الشعوب يزداد باطّراد رغم كلّ النزاعات والصراعات التي تختلقها وتبثها حكوماتها وأعداؤها.

أسرار الحج ورموزه أكثر من أن يحتويها مقال، غير أن بينها ثلاث خصائص بارزة تستطيع كلّ عين مستقصية أن تتعرّفها في أول نظرة:

الأولى: أن الحج هو الفريضة الوحيدة التي دعا ربّ العالمين الى أدائها جميع المسلمين ـ من استطاع إليه سبيلا ـ ومن أرجاء العالم كافة، وصوب نقطة واحدة، وفي أيام معلومات، ليربط بينهم في ألوان من السعي والحركة والسكون والقيام والقعود.

{ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}[6].

الثانية: أن الهدف الأسمى في هذا العمل الجماعي والعلني والقلبي والنفسي هو ذكر الله:

{... وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ}[7].

الثالثة: أن الحج يعرض على شاشته المضيئة البيّنة تصويراً كاملا لحياة الإنسان الموحّد. وبعمل رمزي يلقّن المسلمين درس الحياة المتحركة الهادفة. منذ ورود الميقات وحضور ساحة الإحرام والتلبية والتروك حتى الطواف حول الكعبة والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف في محشر عرفات والمشعر وما فيهما من ذكر وتضرّع وتعارف، وحتى وصول منى وأضحيتها ورمي جمارها وحلقها، ثم العودة إلى الطواف والسعي... يتلقّى المسلم فيها جميعاً دروساً واضحة بيّنة في الحركة الهادفة والجماعية والعارفة في ساحة التوحيد، وعلى درب الحياة وحول محور «الله» سبحانه.

الحياة في منهج الحج سير دائم بل صيرورة مستمرة نحو الله. والحج هو الدرس العملي الحي البنّاء الذي إن وعيناه يرسم لنا طريق حياتنا في صورة عملية مشرقة.

*****

... إنّ الحديث عن الحجّ أمرٌ عظيم، خاصّة عن قدراته ـ لو أُدّيَ كما فرضه الله ـ على معالجة الأمراض الأساسية وإزالة بؤر التخلف. وهذا العلاج لا يأتي دفعة واحدة، إلاّ أنّ اجتماعاً مليونيّاً، على مرّ السنين، من الرجال والنساء الوافدين من كلّ فجّ عميق، في بقعة واحدة، وعلى صعيد أعمال متناسقة مليئة بالمعاني، وتحت لواء التوحيد العظيم، وفي أجواء عبقة بذكريات صدر الإسلام من بدر وأحد، وصعيد زيارة مسجد لا تزال جدرانه تعيد إلى الأسماع صدى التلاوة القرآنية العطرة منطلقة من حنجرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا يزال نداء تكبير المجاهدين في صدر الإسلام يموج في أجوائه، كلّ ذلك في جوّ مفعم بالذكر والاستشعار ومناجاة الله عزّ وجلّ، جوّ ينتشل الإنسان من ضعفه وذاتيته واعوجاجه; ليرفعه إلى معدن المجد والعظمة وقدرة ربّ العالمين.. كلّ ذلك كاف في أن يكون بلسماً شافياً يبعث القوّة في القلوب والرفعة في الهمم، والصلابة في الإرادة، والاعتماد في النفوس، والسعة في الأفق، والسرعة في تحقق الآمال، والاتّحاد بين الأخوة. ويجعل الهوان في الشيطان، والضعف في كيده. نعم، الحجّ الصحيح والكامل.. الحجّ التوحيدي.. الحجّ حين يكون منطق حبّ الله وحبّ المؤمنين والبراءة من الشياطين، ومن الأصنام والمشركين.. يعمل أولا على وقف اتّساع دائرة مشاكل الأمّة الإسلامية، ثمّ يستأصل هذه المشاكل، ويعود على الإسلام بالعزّة، وعلى حياة المسلمين بالازدهار، وعلى البلدان الإسلامية بالاستقلال والتحرر من شرّ الطامعين. واستناداً إلى هذا الفهم الصحيح للحجّ، وضعت هذه الفريضة، بعد انتصار الثورة الإسلامية الكبرى، في رأس قائمة اهتمامات الجمهورية الإسلامية على الساحة الدولية، وركّزت هذه الدولة المباركة على تقريب الحجّ مما كان عليه في صدر الإسلام، وذلك بالمواءَمَة بين الجانب السياسي الإلهي لهذه الفريضة وهو مظهر عزّة الحيّ القيوم وقدرته، والجانب العباديّ، وهو مظهر غفران الربّ ورحمته، ولتجسيد هذا الاقتران أحيت شعيرة البراءة من المشركين ثانية في الحجّ، وهي تواصل العمل بهذا الواجب الإسلامي رغم كلّ المعوّقات السياسية، ورغم كلّ المضايقات الناشئة عن دوافع غير إسلامية.

الجمهورية الإسلامية باعتبارها النظام الذي أثبت قدرة الإسلام على إدارة المجتمعات البشرية الكبرى، ورغم كلّ ما شاع تجاه هذه القدرة من تشكيك وإعلام مضادّ خلال القرن الأخير، تنظر إلى الحجّ، لا كوسيلة لتكريس الذات، بل باعتباره ساحة توعية المسلمين، وغرس روح التقوى والإيمان والاندفاع نحو تطبيق الشريعة الإسلامية، ونحو تحقيق العزّة والاستقلال في نفوسهم.

إنّ أولئك الذين يرفضون روح الحركة والنظرة الشمولية في الحجّ إنّما يرفضون في الواقع عزّة المسلمين واستقلالهم ونجاتهم من براثن الاستكبار والصهيونية، كلّ فتوى ورأي في مجال هذا الرفض إنّما هو حكم بغير ما أنزل الله، صادر ـ على أغلب الظن ـ عن جهل بحقائق العالم وعن انعدام البصر والبصيرة في أمور المسلمين.

كلّ مطّلع على ما تعانيه الشعوب المسلمة اليوم من وضع مرهق ومن سيطرة أمريكية متجبّرة عليهم..

كلّ من يعلم بما يرتكبه الصهاينة من جرائم، وما يحيكونه من مؤامرات خفية ضدّ البلدان الإسلامية.

كلّ من يحسّ بخطر انتشار هذه الغدّة السرطانية الخبيثة في الأجهزة الاقتصادية والسياسية لدول المنطقة..

كلّ من يشاهد ما يعيشه الشعب الفلسطيني من وضع متأزّم في مخيّمات الغربة، ومن احتلال الجلاّدين لأرض هذا الشعب..

كلّ من يعلم بما يجري في جنوب لبنان وفي مناطقه المحتلّة بيد الصهاينة وفي أراضيه المعرضة دائماً للهجوم..

كلّ من سمع بالمآسي المفجعة في لبنان حيث الصهاينة بدعم حكومة أمريكا يقصفون بين فترة وأخرى هذا البلد من الجوّ والأرض والبحر، ويقتلون بشكل جماعي الأطفال والنساء والمدنيين..

كلّ من يطّلع على أوضاع البوسنة وأفغانستان وكشمير وطاجيكستان والشيشان..

كلّ من يدري بما تدبره أمريكا الطاغية والصهيونية عدوّة البشرية من مؤامرات متواصلة وأعمال عدوانية ضدّ الجمهورية الإسلامية الّتي تمثل اليوم مظهر حاكمية القرآن والإسلام.

نعم.. من يعلم كلَّ هذه الحقائق وهو يتحلّى بغيرة إسلامية ويحسّ بمسؤولية دينيّة، لا يتردّد في الحكم على أن تضييع رصيد الحجّ العظيم، وفقدان هذا السند الإلهي المستحكم للإسلام والمسلمين خسارة لا تعوَّض وذنب لا يُغتفَر.

إنّ ما تعانيه الدول الإسلامية من ضعف، وما يوجد بينها من تمزّق مؤلم حقيقة لا يمكن كتمانُها أو إنكارها. العالم العربي دفع بنفسه اليوم إلى حالة لا يستطيع معها ـ مع الأسف ـ أن يدخل ساحة الحرب حتّى ليوم واحد مع العدو الغاصب لأراضيه، وأن يدافع عن الشعب اللبناني الذي أضحى ضحية جرائم الكيان الصهيوني الغاصب.

نحن نرى المعدّات الحربية الجوّية ومعدّات الدفاع الجوّي المشتراة بأثمان خيالية من مصانع الغرب تملأ مستودعات هذه البلدان، بينما تقصف طائرات الصهاينة بحرية بيوت الشعب العربي اللبناني، وتهدم عليهم منازلهم، ولا تستطيع أية واحدة من هذه الدول أن تقطع الطريق أمام هذا القصف الوحشي وتمنعه.

هذه الحقائق المرّة لو أضفت لها ما تمارسه القوى الإستكبارية من نفوذ سياسي، ومن هجوم دون مانع للسيطرة الثقافية التامّة على كثير من هذه البلدان، وما تشهده الساحة من مصائب فادحة تنذر بالخطر، فإنّها كافية لكلّ ضمير حيّ وعقل سليم أن يتوصّل إلى أن البلدان الإسلامية والشعوب الإسلامية والعيّنة الإنسانية المجتمعة حول الكعبة المشرفة، والمواقف المباركة في أرض الوحي بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى معنى الحجّ وروحه وقوّته المودعة فيه، ولا بدّ لها من أن تستثمر عطاءه.

هذا هو حديثنا عن الحجّ وهذا هدف دعوتنا إلى إحياء الحجّ وسائر شعائر الإسلام الحياتية.

*****

بيت الله الحرام هذه الأيام يستضيف مرةً أخرى سيولَ القلوب المتلهفة المشتاقة، التي هوت إلى كعبة الآمال من كلّ فجّ عميق.. حيث الملايين تستشعر الوحدة والوئام في ظل عبودية الله الواحد القهّار; وحيثُ العيونُ التي تسخو بدموعها وهي تقف على ربوع النبيّ الأعظم(صلى الله عليه وآله) وأولياء الله (عليهم السلام) والمجاهدين والعظام في تاريخ الإسلام; وحيث الأرواحُ تصفو وتشرق في ظلّ معنوية بيت الله الحرام وحريم تربة المصطفى عليه وعلى آله آلاف التحية والسلام وحيث الأيدي المتضرّعةُ التي تسوق قوافل حاجتها ورجائها الى ساحة الغنيّ العزيز، وحيث المهمومون الذين يقفون على باب الحكيم; ليجدوا علاج هموم العالم الإسلامي، وليجدوا من يحمل مثل همومهم من أرجاء المعمورة، وحيث الضعفاءُ الذين يحسّون هناك بالقدرة والعظمة.

في هذه الأيام تعرض الأمة الإسلامية العظيمة مشهداً من أبُهّتها وعظمتها أمام أعين من لم يعرف قدرها، فتزيد المحبين أملا والأعداء خوفاً، في هذه الأيام تهطل أمطار الرحمة والحكمة على العطشى، فتنتعش القلوب الكئيبة، وتتفتح العقول الراكدة.

نعم، هذه الأيام هي للعالم الإسلامي والأمة الإسلامية أيام عيد وأيام ميعاد، وجدير بالمسلمين في كل أرجاء الأرض، وخاصة حجاج بيت الله الحرام، أن يغتنموها بقضاء ساعات وأوقات في التعبد والتعقل، وأن يعود من ظفر بفرصة الحج والزيارة الى دياره بيد مملوءة برحمة الله وحكمته، وبعزم جديد وإرادة صلبة تجاه مستقبله ومستقبل الأمة الإسلامية.

من بين الفرائض الدينية، يعدُّ الحج أكبر فريضة تجمع الجانبين الفردي والاجتماعي بشكل واضح جليّ.

الهدف في الجانب الفردي التزكية والوصول الى حالة الصفاء والإشراق والتحرر من الزخارف المادية التافهة، والخلوة مع الذات المعنوية، والأنس بالله تعالى، والذكر والتضرّع والتوسّل إلى الحقّ سبحانه; ليجد الإنسان طريقه الى العبودية، ويسير على هذا الطريق الذي هو صراط الله المستقيم نحو الكمال.

تنوّع الفرص والاختبارات في هذا الجانب كثير بحيث لو أراد شخص أن يجتازها بتوجّه وتدبّر فإنه ينال دون شك أعظمَ العطاء: فرصة الإحرام والتلبية، فرصة الطواف والصلاة، فرصة السعي والهرولة، فرصة الوقوف في عرفات والمشعر، فرصة الرمي والتضحية، وفرصة ذكر الله، تشكل كلّها جوّاً زاخراً بالروح والحياة يمتدّ على جميع هذه المراحل. مجموع هذه الفرص يمكن أن يوفّر لكلّ فرد دورةً قصيرة من الرياضة الشرعية، وتمريناً على الزهد والسلم والحلم، وخصالا خلقية حميدة أخرى.

في الجانب الاجتماعي، الحجُّ من بين جميع الفرائض الإسلامية فريضةٌ فريدة; لأنه مظهر قوّة الأمة الإسلامية وعزّتها واتحادها، ولا ترقى إليه أية فريضة أخرى في قدرته على تلقين الأفراد دروساً وعبراً بشأن الأمة الإسلامية والعالم الإسلامي، وعلى تقريبهم روحاً وواقعاً من القدرة والعزّة والوحدة. وشلّ هذا الجانب من الحج إنّما هو غلق نبع يفيض على المسلمين بمنافع لا يمكن تحقّقها من أية وسيلة أخرى.

الاقتدار الوطني في المجتمعات البشرية مفتاح النجاح والتطور، والوسيلة اللازمة لتحقيق الحياة الطيبة لأفراد المجتمع. والمقصود بالاقتدار الوطني أن يتمتّع المجتمع والبلد بالأخلاق والعلم والثروة والنظام السياسي الفاعل والإرادة الشعبية. صحيح أنّ المجتمعات المقتدرة إن افتقدت التوجيه والإرشاد والعدالة فستكون علومها وثرواتها عاملا على طغيانها، وعلى زوال أخلاقها وإرادتها، وعلى دفعها نحو الانحطاط كما تظهر اليوم أمارات ذلك في أمريكا ونظائرها، غير أنّ فقدان ذلك الاقتدار سيعجّل كثيراً من الانحدار في الانحطاط الأخلاقي والسياسي، وسيسلب الشعوب دنياها وآخرتها وعلمها وأخلاقها وكلّ شيء لديها. من هنا فإن تعاليم الإسلام السياسية والإجتماعية تتّجه جميعاً نحو اعتلاء الأمة الإسلامية سلّم الاقتدار والسيادة في الحقول العلمية والأخلاقية والسياسية والروحية والمادية. واليوم فإنّ المخلصين الواعين من قادة شعوب العالم يسعون إلى استثمار كلِّ الإمكانيات والطاقات المتاحة لتصعيد اقتدار شعوبهم.

الأمة الإسلاميّة الكبرى مع وجود عددها وعُدتها تفتقد العزّة والاقتدار على الساحة العالمية. كيف يمكن أن تستعيد عزّتها وقدرتها اللائقة بها؟ هذا السؤال يجب أن يتردّد على الألسنة وفي الأذهان لدى كلّ المسلمين، خاصة القادة والمسؤولين والعلماء والمثقّفين والشخصيات الإسلامية، وأن يجدّوا للإجابة عنه.

*****

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير سيدنا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى الخيرة من أصحابه المنتجبين.

حلّ موسمُ الحجّ وهو يحمل بشائر أكبر لقاء سنوي للمسلمين، وجدير بقلوب آلاف المشتاقين ـ الذين نالوا فيض اللقاء في هذا الموسم ـ أن تخفق وتنتفض لإعداد نفسها، وجدير بالملايين من المسلمين الراجين ـ الذين لم يُدرجوا هذا العام في قائمة النائلين لهذا الفضل ـ أن يملأوا قلوبهم وأذهانهم بشذى وعبير استذكار كل لحظات أيام السعداء ويدعوا لهم ولأنفسهم، ليعيش كلّ المسلمين العارفين خلال أيام الحج ـ مع الحج وشعائره وآيات جلاله وجماله.

فريضةُ الحجّ كلّ عام تشكل حادثة كبرى من حقها أن تستقطب ـ في تلك الأيام المعلومات ـ الأفكار والاهتمامات والعقول والمشاعر في جميع أرجاء العالم الإسلامي، وأن يعيش المسلمون معها، ويفكروا فيها كلٌ بحسب موقعه الروحي والفكري والسياسي، ومن الطبيعي أن الذين نالوا فيض الحج يحتلون مركز هذا التكليف والتوقع. وإذا كانت أبدانهم وأرواحهم وأفكارهم ومساعيهم ممزوجة بالحج وبركاته وآثاره، فالأجدر أن يحصلوا على أكثر ما يمكن من العطاء المعنوي والروحي والفردي والاجتماعي لهذه الفريضة، وسيحصلون بإذن الله على ذلك.

بركاتُ الحجّ وإن كانت تستوعب كلّ جوانب الحياة البشرية، ويعمّ مطر رحمتها جميع المجالات ابتداءً من خلوة القلب والفكر، ومروراً بساحات السياسة والاجتماع وعزّة المسلمين وتعاون الشعوب المسلمة، فتثرها وتحييها وتبث فيها نشاط الحياة.. ولكن قد يمكن القول: إنّ مفتاح كلّ هذا هو «المعرفة»، وأولى هدايا الحج ـ لمن أراد أن يبصر الحقيقة ويستثمر ما ألهمه الله من قدرة على فهم «الظواهر» ـ هي المعرفة المتكاملة، التي ينفرد بها الحج، ولا يحصل عليها المسلمون عادة إلاّ من هذه الفريضة، ولا تستطيع أية ظاهرة دينية أخرى أن تقدم للأمة الإسلامية تلك المنظومة الكاملة من المعارف كما يقدمها الحج، ومن هذه المنظومة المتكاملة من المعارف:

معرفة الذات على الصعيد الفردي، ومعرفة الذات على صعيد الانتماء للأمة الإسلامية العظمى، ومعرفة النموذج الموجود في الحج من تلك الأمة الواحدة، ومعرفة عظمة الله ورحمته، ومعرفة العدو..

*****

أيّها الحجاج الكرام... اُمتنا الإسلامية تمتلك اليوم أكثر مصادر النفط، التي تعدُّ بدون مبالغة شريان حياة الحضارة العالمية الراهنة، وهي اليوم موجودة في أرض العالم الإسلامي، أكثر المناطق إستراتيجية في العالم وتحت تصرّفكم كما أنّ القسم الأعظم من المصادر الأرضية الضرورية لبناء العالم في الحاضر والمستقبل تتوفر في بلدان المسلمين، وأن خمس سكان العالم مسلمون، كما أنّ أكبر الأسواق الاستهلاكية لمصنوعات البلدان التي فرضت نفسها على المسلمين تكون في بلدانكم، هذا وأنّ ثقافة المسلمين الغنية العريقة وعلومهم ومعارفهم شكلت الدّفعة الأولى لاعتلاء الغربيين ذروة صرح علوم العالم المعاصر، فللمسلمين حقّ الحياة على علوم الغرب وحضارته... ومع كلّ ذلك لا يمتلك المسلمون اليوم على الساحة العالمية وفي معترك السياسة الدولية أيّ دور في اتخاذ القرارات الكبرى وفي تعيين النظام الدولي، وأفظع من ذلك فإنّ كثيراً من البلدان الإسلامية تنهج في سياستها الوطنية منهجاً ذيلياً تابعاً، وتخضع لإحدى البلدان المستكبرة المتعنتة...

حكوماتها عميلة، وضعيفة النفس، وشعوبها مضطهدة أو مغفلة، وعلماؤها ومثقفوها مصابون بالخوف والتغافل، وبحبّ البطر والراحة... وكانت النتيجة أن تبددت ثروات الأمة الإسلامية، وأصبح تعيين مكانتهم السياسية بإشارة القوى المستكبرة، وأن لا يحسب لعددهم وعدتهم حساب، وأن تحرم الأمة الإسلامية من قسم عظيم من إمكاناتها، وأن يستفيد أعداء الإسلام والمسلمين، من تلك الإمكانات للإضرار بالإسلام والمسلمين بينما كان ينبغي أن تستفيد الأمة الإسلامية الكبرى من كلّ ما تمتلكه من طاقات لاستحصال ما تستحقه من عزّة واقتدار.

إنّ الأوضاع الراهنة للعالم الإسلامي والحوادث والمحن التي أذاقت المسلمين القهر والمرارة، كمأساة فلسطين المغتصبة وأفغانستان وغيرها.. ووضع الأقليات المسلمة في بعض البلدان الأوربية.. كلها شواهد ناطقة على هذه الحقيقة المرّة..

فعليكم أيها الحجاج الكرام أن تجعلوا فريضة الحج مؤتمراً تتداولون فيه تلك المشاكل والمحن، وتتدارسون فيه أفضل السبل لحلّها ولتوعية شعوبكم بكل ذلك..

فالأمة الإسلامية الكبرى تعدُّ أكبر سند للعالم الإسلامي وأن الشعوب المسلمة بوحدتها وتلاحمها وتفاهمها وبما فيها من ثروات طبيعية وخيرات كثيرة.. تذيب قلب كل مستكبر وتصم إذنه وتقصم ظهره. والحج هذه الفريضة المباركة، يعرض لنا مظهراً جميلا ونموذجاً رائعاً لهذا السند العظيم.

*****

معرفة عظمة الله ورحمته في الحجّ تعني التأمّل في رفع قواعد هذا البيت الذي هو بيت الله وهو في الوقت نفسه بيت الناس أيضاً.

{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ}[8].

إنّه البقعة التي يتّجه إليها الإنسان الخاشع المتبتّل، وإنّه أيضاً محلّ تجلّي عظمة الدين الإلهي. خليط من العظمة والصفاء والبساطة، ذكرى أوّل نداء للتوحيد ومحطّ لتحقّق وحدة الكلمة، يحمل آثار أقدم المجاهدين في صدر الإسلام الذين جاهدوا فيه وهم غرباء، وهاجروا منه وهم مظلومون، وعادوا إليه وهم فاتحون أعزاء، وطهّروه من رجس جاهلية العرب، ثمّ هو المعطّر بشذى المتهجدين ومحلّ سجود العابدين، ومهوى قلوب الشاكرين، إنّ مطلع فجر الإسلام في البلاد ومشرق طلوع المهدي الموعود في الخاتمة، هو ملجأ القلوب المضطربة ومحطّ آمال النفوس المتبرّمة.

تشريع فريضة الحجّ وترتيب مناسكه يحمل دلائل العظمة ويحمل آيات الرحمة أيضاً. بهذه المعرفة تستيقظ القلوب وبمشاهدة الكعبة المشرّفة والمسجد الحرام بوعي يعود التائهون إلى الصراط المستقيم..

معرفة العدو حصيلة كلّ هذه الألوان من «المعرفة» ومكملة للنفوس. وبدونها يكون قلب المسلم وذهنه بدون أسوار ضد الغزاة والخونة.

إنّ أعمال الحجّ، ومنها رمي الجمار تجسيد للمعرفة ومقارعة العدو. والنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) رفع الأذان في الحج، وتليت آيات البراءة في موسم الحجّ بلسان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام). ولو أنّ الأمّة الإسلامية تخلصت يوماً من وجود جحافل الأعداء وأمكن حدوث ذلك فإنّ البراءة ستفقد مبرّرها ولكن مع وجود الأعداء وعدوانهم الحالي فإنّ الغفلة عن العدوّ وإهمال البراءة منه خطأ كبير وخسارة فادحة..

*****

هذه المناسبة الخالدة التي يقدم الحجيج على أدائها، تشكّل بنفسها مجموعة ناطقة معبّرة طافحة بالذكر والنشاط المعنوي والداخلي في إطار حركة وسعي وتنسيق بناء جماعي.

إنّ الحجّ ـ بتعاليمه المفعمة بالأسرار والرموز، وبمظاهره الرائعة الجامعة بين العظمة والتذلل، والاقتدار والتواضع، والحركة الداخليّة والخارجيّة ـ تجسيد لجهاد الإنسان المسلم في مجالي النفس والعالم باتّجاه تحقيق الحياة الإنسانية الطيّبة، وتدريب للحاج على واجباته الكبرى في الحياة.

إنّ المجتمعات البشريّة المختلفة ـ وهي تعاني اليوم من فراغ روحي وضياع وحيرة من مآس وويلات اجتماعيّة وفرديّة فرضها طواغيت الثروة والقوّة على الساحة العالمية ـ تحتاج إلى الإسلام وإلى تعاليمه ودروسه الكبرى. وإنّ الدعوة الإسلامية لتجعل عناصر الاستقطاب والنفوذ والأمل، ليس فقط للشعوب التي تحترق بنيران الفقر والاستضعاف، بل وبنفس القدر للشعوب التي تتخبّط في مستنقعات الفراغ والحيرة والفقر الروحي في البلدان الثريّة المتطورة. وما تذكره الإحصائيات والدراسات من تزايد التوجّه إلى الإسلام بين فئات الشباب وبين كلّ الرافضين لخواء الحياة المادّية في البلدان الغربيّة المتطوّرة، دليل على هذا الاستقطاب والنفوذ.

المسلمون بتفهّمهم لهذه الثروة الكبرى ومنحها ما يناسبها من وعي، سيكونون قادرين على أن يخلقوا تحوّلا حقيقياً في حياتهم، وأن ينقذوا البلدان الإسلاميّة ممّا تعانيه اليوم من ضعف وتبعية وتخلّف وانحطاط.

*****

من محاسن الصدف أنّ عيد الغدير تكرر مرتين في سنة 1379 الشمسية[9]، وعلى هذا فليس هناك أجمل ولا أبهى من تسمية هذا العام بـ (عام الإمام أمير المؤمنين علي(عليه السلام)). فلنحاول إذن الاقتراب من هذا الرجل العظيم والاقتداء به، فهو القدوة الحسنة لجميع الناس، فشبابه المليء بالحماسة الجياشة والبطولة الفذة خير أسوة لكلّ الشباب. وحكومته التي كانت مليئةً بالعدل والإنصاف هي أنموذج صالح لكلّ المؤمنين، ومبادئه الحرّة كانت مناراً لكلّ الأحرار في العالم، وكلماته الحكيمة ودروسه الخالدة ظلت مشعل هداية لجميع العلماء والمفكرين والمثقفين..

لقد كان الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) يدير دفة الحكم ويطبّق أركان العدل والمساواة، بحزم وصلابة، ويأخذ بحقوق الضعفاء والمساكين والمحتاجين بقوّة ولا تأخذه في الله لومة لائم، لكنه كان(عليه السلام) متسامحاً فى حقه وحقوقه الخاصّة به، فلا يأبه بضياعها ما دامت حقوق الآخرين محفوظة مصانة. لقد كان الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) مثالا رائعاً ونموذجاً عالياً للعبد الصالح، وشخصية فذة تتمتع بكل الصفات المعنوية والجهادية العالية. فيا حبذا لو سرنا على هذا النهج القويم والمثل السليم، وبهما نستطيع تحقيق أملنا المنشود وهدفنا المقصود في إرساء أسس العدالة الاجتماعية وتثبيت قواعدها وهو ما ينشده بلدنا العظيم وشعبنا الغالي...

*****

«... الحج أصدق أنباء من أيّ خطاب مكتوب أو مسموع، يجدد كلّ عام هذا النداء الخالد عبر اجتماعه العظيم، ويبلغه الحجاج إلى أرجاء العالم، ويجب أن تستحضر في موسم الحج هذه الحقيقة، وهي أنّ عزّة البلدان الإسلامية وتقدمها ونموّها ونجاحها إنما يتحقق في ظلّ هذين العاملين: التوحيد بكلّ أبعاده الفردية والاجتماعية والسياسية. والوحدة بمفهومها الصحيح العملي المتناسب مع عالمنا المعاش.

وفي تجمّع الحج العظيم هذا العام يجب مؤازرة الشعب الفلسطيني الذي يرفع عالياً لواء العزّة في انتفاضته المجيدة ويبطل بدمه مفعول سيف القسوة والظلم الصهيوني...».

*****

مرّة أخرى حلّ موسم الحجّ... مهوى قلوب المتديّنين، ونعيم الذاكرين، وفرصة الصالحين، وفي هذه الضيافة العامّة يشارك جمعٌ قَدِموا من كلّ فجّ عميق...

... الأمّة الإسلاميّة اليوم هدف لأنواع التهديد والإهانة. الاستكبار الهائج بقيادة النظام الأمريكي وبسمسرة واستثارة النظام الصهيوني، يستغلّ كلّ الاستغلال تفكّك العالم الإسلامي، وتفرّق الشعوب الإسلاميّة...

حوادث سبتمبر في نيويورك، قد أصبحت ذريعةً لتزايد غطرسة البيت الأبيض، ولترتكب دولة الصهاينة جرائم في فلسطين لم يسبق لها نظير.

بعد العمليات المأساويّة، التي ارتكبتها أمريكا في أفغانستان، فإن الطبيعة العسكريّة الفظّة لحكومة أمريكا تعمد باستمرار إلى رفع وتيرة دفع الساحة العالميّة إلى حالة من اللاأمن، وإلى المجازر والحروب بحجّة مكافحة الإرهاب والدفاع عن السلام في الشرق الأوسط حيث تبدّل إلى ذريعة للبطش والعربدة الأمريكية، وغطاء للتوسّع والهيمنة على المصالح والمصادر الحياتيّة للشعوب...

إنّها لطعنة في قلب الحقيقة حين يُطلق اسم الدفاع عن السلام على قتل النساء والرجال والأطفال الفلسطينيين، وهدم بيوتهم على رؤوسهم، وإخراجهم من وطن آبائهم وأجدادهم.

*****

مشهد اجتماع ملايين المسلمين في الحج; ظاهرة فريدة مدهشة. جموع من كلّ الشعوب الإسلامية، ومن كل فجّ عميق، ومن مختلف الانتماءات الاجتماعية تحفل هذه الأيام المعدودات في بيت الله ومولد الإسلام، ونبيّه الكريم، وتؤدي مناسك مفعمة بالرموز والأسرار...

إنّ الحج مظهر الأمّة الإسلامية، ومدرسة ذلك السلوك الذي يجب أن تنهجه هذه الأمّة الكبرى لتحقيق سعادتها، إذ يمكن تلخيص فريضة الحج بأنّها حركة هادفة واعية ومتنوّعة وجماعيّة في اتجاه موحّد. ذكر الله، وتآلف قلوب عباد الله، يشكلان سدى هذه الحركة ولحمتها...

الأمّة الإسلامية ـ انطلاقاً من مدرسة الحجّ ـ بحاجة الآن إلى حركة هادفة كبرى في حياتها العملية، وجميع الأمّة بحكوماتها وشعوبها تتحمّل قسطاً من هذه المسؤولية.

لقد مُنيت البلدان الإسلامية في القرن الأخير بخسائر فادحة. الغزو الاستعماري الغربي أضرّ أكثر من غيره بالشعوب الإسلامية، وكانت حصيلة هذه الغارة على المسلمين الأسر السياسي والاقتصادي والتخلّف العلمي والمادي، بينما عادت على المستعمرين باستغلال المصادر المادية والإنسانية المسلمة، وبازدياد ثرواتهم وقدراتهم عن طريق الغصب والظلم والحرب والعنف...

(من نداء الإمام السيد علي الخامنئي إلى حجّاج بيت الله الحرام عام 1423هـ).

*****

الشكر لله سبحانه وتعالى، أنْ جعل الحجّ للأمّة الخالدة ذخيرة لا تفنى، ومَعيناً لا ينضب، وسلسبيلا زلالا مستمرّاً، من عرفه حقّ معرفته، وقدره حقّ قدره، انتهل منه وارتوى،...

أمريكا بعد أن انتهت ممّا يسمّى بالحرب الباردة شمّرت عن ساعد الجدّ لخوض حرب شاملة مع اليقظة الإسلامية التي تشكّل سدّاً منيعاً أمام هذا النفوذ.

هذه الحكومة الشيطانيّة تعاني فيه داخلها من مشاكل مستعصية ناجمة عن طبيعتها المعادية للفطرة والإنسانيّة، لكنّها انطلاقاً من نفس طبيعتها الاستكباريّة التوسّعية تسعى لنقل مشاكلها إلى كلّ العالم، وللسيطرة على جميع المراكز الحسّاسة والثريّة في العالم بما فيها الشرق الأوسط والخليج الفارسي بشكل خاص لتواصل حياتها باقتدار أكثر. لو تحقّقت هذه الأحلام المشؤومة، فإنّ شعوب المنطقة ستواجه أيّاماً هالكة لم يسبق لها مثيلا... لا أمل في مواجهة هذا التهديد الكبير إلاّ بالإسلام والمؤمنين الصامدين...

القائد يتحدث عن الحج في نظر الإمام الراحل (قدس سره)

لابدّ أن نذعن بمرارة إلى أنّ الفاصلة كبيرة بين الشكل الحالي لأداء هذه الفريضة الإلهيّة، فريضة الحجّ، والشكل المطلوب للحجّ الإبراهيمي المحمّدي.

الإمام الراحل العظيم وبنيّته الخالصة لله تعالى وبعمله الصادق بذل جهوداً جدّية وفعّالة ـ طول حياته المباركة ـ في هذا السبيل، ووضع نصب أعين الأمّة الإسلاميّة وشعوبها صورةً واضحةً عن الحجّ الإبراهيمي المحمّدي; حجّ العظمة والعزّة، حجّ الرفض، والتحوّل والتغيير سواءً على مستوى الأفراد أو المجتمعات. وكان طرح الإمام لهذا التصوّر للحجّ بحدّ ذاته مبعث خير وعطاء وبركات وافرة في العالم الإسلامي، إلاّ أنّ نشر هذه الفكرة وهذا المنهج العملي بين جميع الشعوب المسلمة بحاجة إلى جهود مخلصة يبذلها علماء الدين وينهض بها المخلصون الواعون من هذه الأمّة. وهي بحاجة إلى ما يبديه حكّام كلّ البلدان الإسلاميّة من تعاون ووعي لهذا المنهج. آمل أن تكون هذه المهمّة الحسّاسة موضع اهتمامهم وعملهم جميعاً.

موقع الولاية للثقافة و الإعلام

حامل المسك 27-12-2006 01:02 PM

مشاركة: نداء الحج للسيد القائد حفظه الله
 
سيدي القائد المعظم
واعلموا أنّ سلب نعمة الحجّ ليس في عدم توجّه المسلمين لأداء هذه الفريضة، بل في حرمان المسلمين من منافعه التي لا تحصى، وزيادة هذه النعمة ليس في زيادة عدد الحجاج كلّ عام، بل في استثمار منافعه: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ}.
نعم إن الحج لطف الهي ولقد جاءت الثورة المباركة بقيادتها الحكيمة لتستثمر الحج بكل معانيه
حفظ الله الولي الفقيه رمزا وعزا لنا

بوركت أحسائي الحبيب على هذا النقل المبارك

مسلم 29-12-2006 10:48 AM

مشاركة: نداء الحج للسيد القائد حفظه الله
 
شكرا أخي أحسائي على هذه النقله
ولكن هذه ليست نداء الحج

بل توجيهات الحج للأمام الخامنئي أدام الله عزه

نجوم الملكي 29-12-2006 05:01 PM

مشاركة: نداء الحج للسيد القائد حفظه الله
 
مشكور أخوي على الموضوع يا أحسائي




مع تحيات حزين الحياه


الساعة الآن 08:53 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir

ما ينشر في منتديات الطرف لا يمثل الرأي الرسمي للمنتدى ومالكها المادي
بل هي آراء للأعضاء ويتحملون آرائهم وتقع عليهم وحدهم مسؤولية الدفاع عن أفكارهم وكلماتهم
رحم الله من قرأ الفاتحة إلى روح أبي جواد