[align=center]
هذه القصة ستكون ضمن مجموعتي القصصية الأولى , وهي لم تنشر من قبل فأحببت أن أخص بها منتدياتنا العزيزة .
*******
السفينة لا تزال تبحر .. تعج بالركاب , أشتاتا .. أشتاتا.. لا يلم شتاتهم إلا خبر مفرح , أو خبر محزن , أو زنزانة , أو إنسان يجيد الدعابة ! وربما جمعتهم وحدة الشعور , ووحدة الصوت , ووحدة هز الوسط في أغنية تصدح ! نظام متقن في باطنه , وفوضوي في ظاهره , لا ندرك أيهما الحقيقي ؟ مادام القبطان غائبا لن يتضح شيء .. رغم الشكاوى التي ترسل بين الفينة والفينة إلى مكتبه لا أظنه إلا غارقا في تقصي الأحوال الجوية , التي لا تعنيه تقلباتها مادام في قصره العاجي , إذن لماذا يتقصاها ؟ ربما لإبراء الذمة إن حدث مد بحري ابتلع السفينة بمن فيها..
المثاليون والباحثون عن التكامل والنظام المتقن ظاهرا وباطنا ويتظاهرون جهرا وسرا هم من يبتلعهم البحر غير آسف ! أما من يَدورون حيث دار الركب فالبحر لا يعيرهم أدنى التفاته ولا همسة .. لأنهم لا يمتلكون عقلا , بل يمتلكون هوى , ومتى هبّ جرهم خلفه , وهؤلاء لا يكلفون الطبيعة أدنى جزءا من الطاقة ! فليبقوا من أجل التجارب العلمية , التي تبحث عن أجساد .
و يبقى صاحب اللون المحايد بين موجتين .. بين قاع و قمة
يقيس خطاه , و يسعى للوصول مع موجة من القدر ترفعه للقمة إن كان جديرا , أو إلى القاع إن تسلل اللص \ اليأس إلى نافذته .. فيسقط من النافذة حيث البحر فاغر فاه ..
******
لم يكن مرورها عابرا , بملابسها الغريبة ومكياجها الناري الذي لطخ وجهها فما زاده إلا قبحا , وعطرها الذي سبقها أصابني بالغثيان , لا أعرف لماذا تصر على ارتكاب هذه التصرفات ؟ بل وتزداد تفننا في الغرائب والعجائب !! لماذا ؟ لماذا؟ لم أتمالك نفسي ألقيت كراستي إلى الأرض .. رفعت رأسي وإذا بكل الطالبات يحدقن بي , انحنيت والتقطت الكراسة وغادرت المطعم بهدوء . تساؤلات كثيرة تطرق باب عقلي ولا أجد لها جوابا شافيا . (إثبات الذات) , هل هو حقا من يدفعها لفعل تلك الأشياء ؟ هل المشي كالطاووس يعني أنني موجود ؟!! أو أنها تشعر (بالحقارة الذاتية) وتريد التعويض عن ما تظنه ينقصها بهذه السلوكيات .
كل طالبات الجامعة يعرفنها لم تعد تصرفاتها خافية على إحداهن , مرورها مثيرا للهمسات و الأحاديث الجانبية , بل أن الكثيرات ينتظرن مجيئها بفارغ الصبر لمعرفة ماذا ترتدي اليوم وما ذا ستفعل وما ذا ستقول ؟؟!!
شغلت الطالبات بها , لعل هذا يسعدها كثيرا , وربما هذا ما تريده وما تسعى إليه بكل ما أوتيت من جنون . حاولتُ جاهدة أن أطردها من مخيلتي , وأتوجه للقاعة بذهن صافي , خصوصا أنها بداية العام الجديد , ولكن عند باب القاعة كانت الصاعقة , يا إلهي إنها هي .. تجلس في الكرسي الأمامي مع ثلة من الصديقات والمعجبات ! كيف سأحتمل وجودها معي في قاعة واحدة , لم أشأ إطالة الوقوف عند الباب , فتوجهت للجلوس على أحد الكراسي الفارغة في آخر القاعة , كلامها فارغ وضحكاتها تثير الاشمئزاز في النفس , تُرى لماذا يتحلقن حولها ؟!. لحظات وإذا بصديقتي (مها) تنتشلني من دوامة أفكاري ..
- صباح الخير
- صباح النور , أفزعتني
- أفزعتكِ ! إذن كنتِ تفكرين , سعيد من تفكرين به
- بل شقي
- شقي!!!
- نعم .. إنها من تجلس هناك
- ( نوره) .. أنتِ تفكرين فيها (وهي تشير بإصبعها)
- ولم لا ؟ فحالتها تثير فيّ تساؤلات كثيرة
- حقا إنك غريبة جدا اليوم
- الدكتورة وصلت , نكمل حديثنا لاحقا .
لا أعرف ما هذه الرتابة في إلقاء المحاضرة, ومتى سيتعلمن كيفية إثارة الطالبات وشدهن نحو ما يلقين من محاضرات ؟؟
منذ أن كنا طالبات في المدرسة والشرح هو الشرح ذاته التلقين والحفظ. وكأننا جهاز تسجيل متحرك ! سئمت من كل هذا , لحظات وإذا بي واقفة , الدكتورة تحدق بي , صوتها يخترق أذني
- ماذا بك ؟
- أريد أن أغادر القاعة
- هل أنتّ متعبة ؟
- لا أبدا
- لماذا إذن تغادرين ؟
- في الحقيقة المحاضرة رتيبة , ولا تجلب سوى النعاس
- ماهذا الكلام ؟
- إنها الحقيقة يا دكتورة
- اخرجي فورا
- شكرا دكتورة !
أخيرا تحررت , وأطلق سراحي من الزنزانة الفسيحة !
*************
العبث واللهو سمتان بارزتان في ثلة كبيرة من الفتيات هنا , كل شيء فيهن لا يروق لي , لا أحاديثهم ولا أفكارهم ولا أحلامهم . آآآه .. تعبت من الثرثرة دون طائل , ولكن ثمة من يعين نفسه متحدثا رسميا عني ! ويبقى يتردد حديثه كالصدى , يهزني .. و يعتصرني مما يضطرني لأن أثرثر من جديد !
(مها) مقبلة .. بالتأكيد ستفتح لي ملف قضية على ما حدث في المحاضرة .. ولكن تبقى هي الوحيدة التي تفهمني وإن جادلتني , وتتيح لي ما تيسر للتحدث والهذيان أحيانا , بحق صدرها رحب , متكيفة مع كل التقلبات والظروف لا تتذمر ولا تتأفف وفي ذات الوقت لا تمدح ولا تصفق لأحد , ولهذا تشق طريقها بثبات لا عواصف ولا تقلبات , ولكن هل هي سعيدة حقا ؟ لم أطرح عليها هذا السؤال يوما .. يد لطيفة تربت على كتفي , إنها (مها) إذن .. التفت إليها
- أهلا (مها) وجلست بقربي قائلة :
- أهلا بك أيتها الشجاعة .. لمَ تصرفت هكذا ؟
- أنت تعرفيني , لا أطيق البقاء في مكان يضيق بي كلما اتسعت حدوده ! أنا واثقة بأنك لستِ مرتاحة في المحاضرة ولا الباقيات أيضا
- نعم .. نحن كذلك , لكن هذا لا يبرر لك تصرفك , فالدكتورة منذ أول محاضرة في بداية سنة جديدة , التقطت لك صورة غير حقيقية
- لا يهمني أي شيء , فلتلتقط ما تشاء من الصور
- (منال) أنا حزينة جدا من أجلك
- ولمَ؟
- أراك تغرقين .. و لا تقبلين بمد يد العون
- هل من يفتش عن العدل والحقيقة والحرية والنظام , يغرق ؟
- لا يغرق , لكن في ظروف تختلف كثيرا عن ظروفنا , هذا الزمن يا (منال) لا يحتفي بالمثاليات ولا المجتهدات ولا المبدعات ولا بشيء
- وهذا يعني أن نغمض أعيننا ونضع أصابعنا في آذاننا حتى يأتي الزمن الذهبي الذي نصل فيه لما نريد .
- ليس هذا بالضبط , بل بالتكيف مع الأحداث , وتقبلها كما هي , الحياة اليوم تتطلب ذلك .
- سؤال مرّ بذهني قبل مجيئك
- ما هو ؟
- هل أنت سعيدة بكل ما لديك ؟ هل أنت سعيدة بنفسك كمبدعة مغيبة ؟
- (القناعة كنز لا يفنى )
بانفعال :
- بل قولي البلادة , والتخاذل , والخوف , الذي سيخرجك من الحياة صفرة اليدين ..
- (منال ) , لمَ تقسين عليّ بكلامكِ هذا , مهما امتلكت من إبداع , لا يمكنني الوصول للمجد في ظروف كهذه , وعلى كل ٍ متى كتب الله لي البزوغ سأشرق حتما .
- آسفة يا (مها) لم أقصد القسوة عليكِ , ولكنك بالفعل مبدعة ويعز عليّ أن فتاة في مثل سنك كتبت ثلاث روايات مصيرها الدرج .
- دع الأيام تفعل ما تشاء ^^ وطب نفسا إذا حكم القضاء *
- لا فائدة , قناعاتك العظمى لا يمكن تغييرها
- هيا لنذهب للمكتبة
********
للكتب حديث ممتع , ومفجع كذلك , أغرق بين سطورها , و لا أجد مرسى .. أحيانا أهجر القراءة رغم الشوق الذي يجتاحني للكتاب , إلا أن ثرثرتي تصل حد الجنون , ويكاد عقلي يعلن ثورة الحد من الثرثرة , كلما قرأت وسمعت وشاهدت , كلما تضاعف الألم , وكبر الهم الذي كان طفلا يوما ما , ورغم كل هذا لا أستطيع الاستسلام , أحاول الاستسلام كـ(مها) مثلا لكن تبوء كل محاولاتي بالفشل .. إنها تُقبل على قراءة الكتب بنهم شديد , رغم ذلك لا تحرك فيها ساكنا , ولكنها تُأجج فيّ ثورات وبراكين .. !
الاقتناع بالقناعة ليس يسيرا عليّ , و الأخطاء لا يمكن تقبلها , حتى في الزمن الخطأ !
منذ دخولي ومها للجامعة و هي تنجح وأنا أرسب خلا بعض المواد التي أتصالح مع مدرسيها , حيث لا يمكنني شراء نجاحي بالصمت على الخطأ , والفوضى و القيود التي تُكبل معصمي فيها . حينما تخرجت من الثانوية قلت : وداعا للقيود ! اثنا عشر عاما لا نشعر أننا طالبات في مدرسة , بل مجرمات في سجن نساء ! زي موحد , بلون قاتم يجلب الكآبة , واجبات لا تنتهي , مناهج أكل الدهر عليها وشرب , هذا قبل أن نسمع أن الوزارة تزمع على تطوير المناهج وطورتها لكن بعد ماذا ؟ بعد أن تخرجت .. لا بأس ربما ستبقى لابنتي مستقبلا !!
وجاءت الجامعة لتفرض أغلالا و قيودا , في السن الذي نحتاج فيه للشعور بالانطلاق والحرية , السن الذي نريد أن نكون نحن .. بأفكارنا , وإنجازاتنا , وحتى اختيارنا لملابسنا .. !!
كيف يسنون القوانين ؟ سؤال به من الغموض ما يجعلك تعرض عن البحث عن إجابته . ورغم امتعاضي مازال مشواري في الجامعة طويلا , و (مها) التي رافقتني منذ المرحلة الابتدائية حتى اليوم ستتخرج هذا الفصل , وسأبقى وحيدة بعدها , لا أظن أنني سأجد صديقة تطيق معي صبرا , فصداقتنا صداقة ( ضبابية الملامح) لا يمكن لغير (مها) احترام قوانينها , فالكثير من آرائي لا تروق لها , رغم ذلك تنصت لي وأنا أطرح عليها كل أفكاري دون أن تمل . سنوات كثيرة قضيتها معها لا نتشاجر ولا نتفق على رأي , وكثير من رغباتنا متنافرة , ولا زلنا صديقتين , كيف ؟ ولماذا؟ أتصفح ألبوم صورنا في الذاكرة , لا أرى أية حيوية في صورنا , هادئتان دائما , هدؤنا يبهر الأنظار , تمسك الواحدة بيد الأخرى , ومتى ما هجمت جيوش الكلام , لفظتها دون توقف حتى يطرأ أمر يلجم لساني , أو يكون حديثنا حوارا عابرا نغرق بعده في تأمل و عناق أنفاس !
آآآآآه .. لقد تعبت كثيرا من الثرثرة , أريد أقراصا تصيبني بالخرس الداخلي , فلا يكفي أن يكف لساني عن الكلام , الطريق مازال ممتدا , كيف لي أن أحتمل عناء السفر ؟ وإلى متى ؟ والسفينة ما تزال تبحر .
1425هـ
قيثارة[/align]
<******>drawGradient()******>