منتديات الطرف

منتديات الطرف (www.altaraf.com/vb/index.php)
-   ~//| مطويات القصص والروايات |\\~ (www.altaraf.com/vb/forumdisplay.php?f=43)
-   -   oO تَــحـتَ أَجْنِحَــةِ البَــرزَخ Oo (www.altaraf.com/vb/showthread.php?t=65458)

إشراقة أمل 08-02-2009 03:23 PM

oO تَــحـتَ أَجْنِحَــةِ البَــرزَخ Oo
 
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف خلق الله محمد وعلى آله الطيبين الطـاهرين

.

oO تَــحـتَ أَجْنِحَــةِ البَــرزَخ Oo

رواية تحكي مسيرة إنسان في عالم ما بعد الموت ..

قال تعالى : (( وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين ))
آل عمران / 145


مقدمة المؤلف ..
أصبحت متطلبات الحياة في عصرنا و مشاكله كبيرة ، و إغراءاته عظيمة فراح الناس يغرقون في بحر الغفلة ، ويغوصون في أعماق عالم المادة ، فهم يشغلون أوقاتهم الثمينة فيها ولأجلها وكأنها أصبحت هي المقصد الأخير والغاية القصوى، فغفلوا عن حقيقة هذه الدنيا وأنها ليست إلا معبرأ قصيرأ لعالم الأبد، بل غفلوا عن حقيقة أرواحهم التي لا تقبل الفناء وأنها خلقت لعالم أوسع وأوسع ، ألا وهو عالم البقاء.
كنت انظر لما حولي من الناس وأتمعن أحوالهم من حيث الأيمان باته واليوم الآخر ومدى اثر ذلك على سلوكهم ، فوجدتهم على أصناف أربعة :
الصنف الأول :
هم أصحاب العقول النيرة ، والقلوب المطمئنة ممن جعلوا الله يبن أعينهم والآخرة مقصدهم ، وجنان الخلد غايتهم ، فهم لا يخطون خطوة إلا وضعوها في ميزان رضا الله وسخطه ، وقصدوا بها جنانه ، وتجنبوا بها نيرانه ، فأصبحت أخلاقهم الإسلام ، ومنارهم القرآن ، ترى ئور الأيمان يسطع في وجوههم ، وشريعة الإسلام تتجسد في سلوكهم .
وإني لم أقصد بكتابي هذا ذلك الصنف من الناس ، وهم قليل عددهم ، عالية درجتهم ، وما أنا وما خطري حتى أهديهم ، ودرجة إيماني لا تصل إليهم ، بل إنني يبن الحين والآخر اقتبس من أنوارهم ، واقتدى بسلوكهم ، فأحعلهم منارا أنيربه طريقي المتشابك في هذه الدئبا الفائية .

وأما الصنف الثاني :
فهم أصحاب النفوس اللوامة ، والقلوب المضطربة ، ممن خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، يريدون التقرب إلى الله ويحبون الخير للناس ، لأنهم لا يعرفون الغش والخداع ، ولكن لو صارحك أحدهم واظهر ما في قلبه إليك ، لوجدته يعاني مصراعات في أعماق ئفسه ،ولشكى إليك الحجب المانعة التي تقف أمامه كالسد العظيم تمنعه من الوصول إلى الله والعيش بقلبه مع الله ، فهو يريد
مناجاة ربه بخشوع وخضوع ، ولكن ما أن يقف بين يديه حتى تهاوت عليه أفكار الدنيا من كل حدب وصوب ،لا ينجو من واحدة إلا ويقع في أخرى، واجتمعت شياطين الجن حوله يقذفون عليه وساوسهم من كل جانب ،فيقوم من مقامه مضطربا، ما وجد في مناجاة ربه حلاوة ، ولا في استجابة دعائه أملا.

وثمة صنف آخر :
غرق في الدنيا وانشغل بها حتى لم يعد يجد لنفسه وقتأ يناجي فيه ربه ويتأمل حاله ، وتعدى ذلك حتى إلى واجباته ،فتراه يوديها وهو يفكر في تمامها قبل شروعها، ووجد الشيطان في ذك فرصة سانحة وأرضا لمكائده خصبة ،فراح يطوق بذلك المسكين حباله ، ويجره إليه ، حتى صار أسيرأ في يده يلقي عليه ما يشاء.

أما الصنف الرابع :
فحدث ولا حرج ، فقد أصبحت الد نيا قبلته التي يوليها وجهه ويرى كل شي منها وإليها، نسي خالقه وأطاع شيطانهالذي احكم مخالبه فيه ، وصيره عبدا له ، فترك حتى واجباته ، بل تعدى ذلك إلى ظلم أبناء جنسه من أجل أن يعيش مترفا على جسر الدنيا ، و ليتعذب و يفنى في غيره .
كان من الأمور المهمة لدي هو كيف يمكن التذكير بعالم الآخرة و الحياة ما بعد الموت ، و غرسه في قلوب هذه الأصناف الثلاثةالأخيرة كي يعطي ثمراته على سلوكهم ، و يقطع حبائل شياطينهم ، فيعودوا لما خلقوا لأجله ، و لكن ..
ولكن واجهتني صعوبة كيفية ذلك ، فقد أعطي أحدهم كتابا عقائديا أو فلسفيا ليقرأه ، ولكن سرعان ما يضعه جانبا بعد أن يطالع صفحة أو اثنتين منه ، و بعض منهم يشكو عدم رغبته فيه لعدم التأثر به ، و أنه لا يغير من سلوكه ولا يزيده إقبالا على ربه .
و بعض آخر إذا تحدثت معه بحديث الدين و المعاد ، و نصحته بالاتعاظ و ترك المحرمات ،
تراه يتعذر إليك و يتهرب منك إن لم يتخذك سخريا .وبعض منهم من يحتاج إلى حبل غليظ يجره بقوة شديدة ليخرجه من بحر الغفلة و التعلق بعالم المادة إلى بر التفكر و صحوة الضمير .
و خلاصة لتجربتي مع هؤلاء الأصناف ( كثير منهم أخوتي و أحبتي ) وجدت أن الأسلوب الأمثل لإخراجهم من غفلتهم ،
وزرع بذرة التفكر بعالم الآخرة في قلوبهم ، وهو أسلوب الكتاب القصصي
الذى يستطيع أن يجذبهم نحوه ويجرهم إليه ، فلا يمل القارئ من مطالعته ، ولا يتر كه متى ينتهي أحداث قصته المترابطة فيما بينها كما يمكن زرع مطالب مفيدة من خلاله تفيد القارئ في زيادة معلوماته ، تذكره بعالم آخرته ، وتقول له : انك خلقت لعالم ابدي لا فناء فيه،
وأن الموت ليس إلا سفر من عالم صغير إلى عالم أوسع وأكبر، وأن كل عمل يزرعه اليوم يراه غدأ أمامه وقد تجسم بهيأة تتناسب مع خير ذلك العمل أو شره .
وبناءأ على الأسس العقائدية لعالم ما بعد الموت المستوحاة من القرآن الكريم والأحاديث الشريفة وآراء العلماء بدأت بكتابة روايتي هذه على قسمين :
القسم الأول يحكي أحداثأ في عالم الدنيا وعالم البرزخ، وهو الكتاب الحالي الذي بين يدي القارئ العزيز،
والقسم الثاني سيحكي أحداثأ لوقائع ما بعد البرزخ ، وهوالذي أسأل الله تعالى أن يوفقني للإعداد إليه و إتمامه في و قت لاحق .

وعسى أن يكون عملي وإياكم هذا حسنة جارية تعيننا وتكون زادأ لنا في سفرنا الأبدي إن شاء الله .


عبد الرزافى الحجامي 10 / 1 / 2007


.
.

إشراقة أمل 08-02-2009 03:25 PM

رد: oO تَــحـتَ أَجْنِحَــةِ البَــرزَخ Oo
 
الفصل الأول : اختلاف المبدأ

لا أعلم كيف أصف نفسي و قلبي يوم جلست أنظر إلى العالم الجليل الذي أرشدني إليه صديقي ’’ مؤمن ’’

وقد مد يده لاستلام ورقتي الصغيرة التي كتبت فيها أسئلتي .

_ سيدي أرجو أن تسمح لي أن أشغل وقتك قليلا فقد ضاق صدري ، ولا أجد من يفتح قلبه لي و يستمع بتمعن لما أقول

كلهم مشغولون ، حتى الذي أفنى عمره في طلب العلم و التفقه في الدين مسينا أو تناسانا فبقينا حيارى في الميدان .

كان ينظر لي بتأمي عميق ، و يحاول أن يشملني بعطفه و حنانه ، و قد بدت على و جهه ملامح التأثر و الاهتمام بي فقال :

_ بني العزيز ما هي مشكلتك ؟

قلت :

_ سيدي إن الدنيا صغرت في عيني حتى تشاءمت منها و حقرت نفسي حتى أصبحت أتنكر لما فيها ، فأراها

كالصفحة السوداء تمنعني من الوصول إلى الله ...

كانت كلماتي الأخيرة ممزوجة بهمسات البكاء الذي منعني من الاستمرار في الكلام ، أحسست أنه يجب أن

أتمالك نفسي فانتخبت الصمت ، ونظرت إلى الأسفل واضعا يدي على وجهي الذي ابتل بالدموع ، لم يستمر صمتي طويلا

حتى رفعت وجهي لأرى الحاضرين وقد بدت عليهم علامات التعجب و الدهشة لما يشاهدونه ،

حينها تدارك العالم الجليل ذلك الصمت و قال :

_ بني العزيز إنني أدعوك غدا للمجئ إلى بيتنا بعد صلاة المغرب و العشاء ، وسأطالع أسئلتك لأرى إنا كان

بإمكاني الإجابة عنها .

قلت :

_ سيدي وكيف يتسنى ي ذلك و ليس لي علم بمكان بيتكم ؟

_ إن صديقك ’’ مؤمن ’’ سبق وأن زارنا مرات عديدة .

_ و هل تسمح بصحبته معي هذه المرة
_ بالطبع يا ولدي ، سأكون بانتظاركما على سفرة العشاء إن شاء الله .

غادرت المجلس بعد أن شكرت العالم الجليل ، و حاولت المشي بخطوات متزنة و خفيفة ألقيت خلالها نظرات إلى غرفته

و إلى المكتبة الكبيرة التي وضعت الكتب فيها بصورة مرتبة و مقسمة على رفوف معنونة ، كما لفت نظري

تواضع غرفته و بساطتها بالرغم من أنها تعتبر مكتبا لكل اجتماعاته التي يقيمها بوصفه إمام جمعة للمدينة ،

و تذكرت حينها مكتب الشركة التي أعمل فيها و زخارفه و أثاثه فلا مقارنة بين الاثنين .

اخترت هذه المرة أن أسلك طريق البيت مشيا على الأقدام لتمكن من التفكير خلاله بالمسائل و المطالب التي

سوف أعرضها على إمام الجمعة غدا ، و لكن ما أن أردت العبور إلى الناحية الثانية من الشارع حتى سمعت

نداءا من مكان قريب ، التفت و إذا به جمال يقول :

_ سعيد إلى أين تذهب تحت أشعة الشمس المحرقة ؟

_ إلى البيت .

_ عجبا لأمرك ألا تحس بحرارة الشمس على بدنك ؟

_ حقيقة أنني لم أحس بحرارتها إلا أن أخبرتني بها لأني كنت مشغولا عنها

هز جمال رأسه و فتح باب سيارته ، لكني رفضت الصعود معه بشدة ، فأصر أكثر و أخذ بيدي يجرها إليه ،

حينها رأيت أنه ليس من اللائق أمام أعين الناس ذلك ، فقررت الصعود معه بعد أن شرطت على نفسي استثمار

الطريق بدعوته إلى الصواب و نهيه عما يفعله ، وما أن أغلقت باب السيارة حتى بدأ كلامه من جديد :

_ إنني كثيرا ما أفكر في أمرك و أكاد أبكي على حالك ، فكيف بمهندس مثلك يعيش حياة البسطاء ،

ويكاد يفقد أبسط وسائل الراحة كالسيارة مثلا ؟

أجبته قائلا :

_ بل إنني أعجب من أمرك كيف تقود سيارة ذات طراز حديث ، و تعيش في بيت ذي ثلاث طوابق

مجهز بالتبريد و غيره وقد أسس على مال حرام ؟

_ ألا ترى أنني أحسن حالا و مالا منك ، فأنت لا شيء عندك و أنا عندي كل شيء ، فهل

هناك عاقل يحكم بخطأ طريقتي في الكسب و العيش ؟

لم أكم مهيأ للدخول معه في نقاش كهذا ، لذلك حاولت التأخير في الإجابة لغرض التفكير في كيفية الاستمرار

معه حتى ظن أنني استسلمت إليه و لم يبقى عندي ما أقوله ، فبادر قائلا :

_ عزيزي إنني لا أريد إلا الخير لك و .......

قاطعته بقولي :

_ مهلا مهلا يا جمال ، أرجو أن لا تعتبر صمتي استسلاما لرأيك ، فإن من عادتي التفكير قبل كل كلام أنطقه

كما إنني أسألك بأي دليل تحب أن أثبت لك بأنك تسير بطريق آخره الهلاك و الخسران ؟

_ أنا لا أؤمن إلا بالعلم الحديث و الكمبيوتر ، و ارجو أن تدعنا من الأحاديث و الروايات التقليدية التي

ملئت بطون الكتب القديمة بها .

_حسنا ، و أنا أعدك أن لا أذكر لك شيئا من ذلك ، ولكن أسألك كيف توصل الإنسان إلى هذه المرحلة من

التطور و صناعة الأجهزة الحديثة و غيرها ؟

_ بالعقل و التجربة .

_ إذا يمكن لنا أن نستخدم العقل في حديثنا .

_ لا بأس بذلك .

_ لو أخذتك إلى عمارة بسبعة طوابق ، يحوي كل طابق على سبع شقق سكنية مؤثثة و مجهزة بنظام التبريد

و التدفئة المركزي للهواءو الماء ، و لديها ارتباط كمبيوتريفيما بينها ، و ذات شكل معماري خلاب يجلب

إليه الأنظار ، ثم أقول لك أن العامل عبد الله هو الذي كان المصمم و المنفذ و المشرف على هذا المشروع

فهل تصدق ذلك و أنت تعرف جيدا أن عبد الله لا يعرف حتى القراءة و الكتابة ؟

_ إن مبنى كالذي تقول يحتاج إلى فريق من المهندسين لتصميمه و تنفيذه و لا يمكن لعبد الله أن يتورط بمثل هذا المشروع .

سعيد : و هل يمكن أن تقول أنها صممت و نفذت دون تدخل أي شخص ، أي أن موادها من الطابوق و الإسمنت

و الرمل و غيره قد تجمعت من تلقاء ذاتها و كونت لنا هذا المبنى ؟

جمال : هذا لا يمكن .

سعيد : إذا بنظرك من صنع الإنسان و الشمس و القمر و النجوم و الكواكب و المجرات بهذه الدقة العجيبة التي

أثبتها العلم الحديث بوسائله المتطورة ؟

بقى جمال متحيرا و بقيت أنا أنظر إليه منتظرا جوابه ، فحينها أحسست الحيرة على وجهه ، فهو لا يستطيع

الإجابة بأنها قد انشطرت من تلقاء نفسها و تكونت بهذا الشكل ، لأنه قد نفى إمكانية حصول ذلك قبل قليل .

لم يطل صمته كثيرا و إذا به يجيب :

_ لابد أن هناك فريقا من المهندسين نجهلهم تعاونوا على صنع هذا الكون و أدارته .

سعيد : بالطبع ، و هؤلاء المهندسين ليسوا مثلنا لأن كونا بهذه العظمة يحتاج إلى مهندسين فوق عظمته

بالتصميم و التنفيذ كي لا يكونوا كالعامل عبد الله بالنسبة إلى العمارة ذات الطوابق السبعة .

جمال : نعم .

سعيد : هل تذكر يوم عقدنا اجتماعا في مبنى الإدارة المحلية و ذلك لتشكيل لجنة تصميم و تنفيذ مشروع

المجمع السكني ( الأنصار ) ، وكنت أنت أول من مخالف لفكرة اللجنة المشتركة ، وكنت تقول إن المشروع

يجب أن يكون تحت أمرة و إدرة شخص واحد و إلا فمن اليوم الأول سنبتلى بمشكلات الاختلاف في الآرء ؟

جمال : صحيح ، كان ذلك في العام الماضي ، و لو عملوا بالرأي الذي قلته لهم لما تأخر المشروع ثلاثة أشهر حتى تم تعيين مدير له .

سعيد : إذا كيف تقول الآن أن فريقا من المهندسين صنعوا هذا الكون و تعاونوا على تدبيره و إدارته ،

و أنت ترى أن الكون منذ آلاف بل ملايين السنين باق على نظامه و دقته في الحركة و التناسق ، إذن من المؤكد

أن صانعه و مدبره هو مهندس واحد قدرته في التفكير و التنفيذ فوق قدرتنا و قدرة الكون ، وهذا المهندس نحن نسميه الله .

كأنه أراد أن يقول شيئا لكنه لم ينطق به حينها أراد أن يشعرني بأنه مشغول بسياقة سيارته فقال :

_ إن الأطفال يحتاجون إلى انتباه خاص إليهم ، خصوصا عند اجتماع عدد منهم ، فإنهم يتجرءون

على العبور أمام السيارات و إن كانت تسير بسرعة كبيرة .

كنت أنظر إليه بدقة فجأة يلتفت لي و كأنه تذكر شيئا و قال :

_ إنك لحد الآن لم تثبت لي الموضوع الذي بدأ حديثنا من أجله .

بدأنا شيئا فشيئا نقترب من الشارع الرئيسي الذي يؤدي أحد فروعه إلى بيتنا ، ولذلك أحسست أن علي أن إثبات

الموضوع بأقصر وقت و إلا سيكون حديثنا ناقصا لم يحقق الهدف الكامل الذي قصدته ، فأجبته بقولي :

سعيد : صحيح ما تقول ، لكن لدي سؤال أجبني عنه .

جمال : لم أمنتع عن إجابة أي سؤال لك حتى الآن .

سعيد : ما هو هدف خلق الإنسان على هذه الأرض ؟

تململ قليلا ثم قال :

جمال : ممكن أن يكون لتعمير الأرض و بنائها و إيصالها إلى مرحلة من العمران قد تكون فوق ما وصلت إليه الآن .


سعيد : لكن العلم الحديث أثبت أن الأرض تسير نحو الفناء ، إذ سيأتي يوم تتعادل فيه درجة الحرارة ،

ولا تكون هناك طاقة للتحرك ، و تنعدم الحياة ، و لا تبقى حينئذ جدوى من إعمارها كما تقول ، كما أن

الإنسان في كل جيل لا يشهد عمران الأرض الذي سيشهده الجيل التالي ، فلا يتحقق الهدف إذن لا للجيل الأخير

ولا للأجيال الحالية فضلا عن الماضية .

جمال : إذن بنظرك ما هي غاية خلق الإنسان ؟

سعيد : الغاية يجب أن تكون أبدية ، و لكي تكون كذلك يجب أن يكون الإنسان أبدي ، أي لا يفنى عند موته ،

بل ينتقل إلى عالم آخر و آخر ، فهل رأيت مهندسا يصمم مبنى لينهدم بعد عشرة أو عشرين عاما ؟

أم هل رأيت شخصا يصنع لوحة نفيسة و جميلة ثم يكسرها و يحطمها ؟

جمال: حتى و إن سلمنا أن الإنسان ينتقل بعد موته إلى عالم آخر ، فكيف تثبت أنني أسير نحو الهلاك

و الخسران كما تقول ، و ما علاقة هذا بذاك ؟

بدأ جمال يخفف سرعة سيارته شيئا فشيئا لقرب و صولنا إلى محلنا السكني ، حينها أحسست بوجوب تدارك

الوقت و استثمار الفرصة بأسرع ما يكون فأجبته قائلا :

سعيد : لا يمكن للعقل أن يقبل تساوي مصير الظلاب و قبولهم في الجامعات مع اختلاف درجاتهم ، و لا يمكن قبول

تساوي الظالم و المظلوم أو السارق و المسروق ، بل العقل يحكم بوجوب أن يأخذ الظالم و السارق جزاءه

بالسجن أو الغرامة وما شابه ذلك ، فإذا سلمنا بهذا كله ، فهل يمكن للخالق أن يساوي بين خلقه بعد موتهم

دون أن يعذب السارق و الظالم و أمثالهم و أنت ترى أن كثيرا ممن أكل حق الناس و مضى في

ظلمهم لم يأخذ جزاءه في هذه الدنيا .


.

لهـا بقيــــة ..,

.
.

zainab 08-02-2009 09:50 PM

رد: oO تَــحـتَ أَجْنِحَــةِ البَــرزَخ Oo
 


قراتها .. وقبعت بين احرفها استشف منها الحكمة والروعه ..

عزيزتي .. ( إشراقة أمل )

أكملي .. فأنا هنا انتظر " البقية " بشغف شديد !!
.

.

انتقاء موفق جداً

إشراقة أمل 09-02-2009 01:21 PM

رد: oO تَــحـتَ أَجْنِحَــةِ البَــرزَخ Oo
 
فتحت باب السيارة بعد توقفها و شكرته على إيصاله إياي ، ولا أعلم إن كان قد فهم كلامي الأخير و مقصده

أم لا ، لكن يبدو من نظراته العميقة لي أنه أدرك ما أقول .

طرقت باب البيت و إذا بصوت أقدام مرتضى يطرق سمعي و هو يركض بسرعة حتى و صل الباب و فتحه ،

نظرت إليه لأرى و جهه مرتبكا و لونه مصفر و دموعه جارية فقال:

مرتضى : بابا ، بابا ، ماما خرجت و قالت الآن اذهب و أعود لكنها لم تعد لحد الآن ......

سعيد : متى ذهبت و إلى أين ؟

مرتضى : بعد الصلاة قالت لي سأذهب لأشتري شيئا من الدكان الذي في رأس الشارع فلا تخرج من البيت و سأعود فورا ، لكنها لم تعد بعد .

أمسكت بيد مرتضى الذي لم يتجاوز سنينه الأربع ، و ذهبنا معا إلى الدكان الذي عادة ما نشتري منه احتياجاتنا

وما أن وصلت إليه و سلمت على صاحبه حتى رأيت الارتباك على وجهه ، و بدأ يتململ في كلامه ،

فعلمت من ذلك أن أمرا ما قد حدث ...


فسألته مستغرباً :

- هل أتتكم أم مرتضى قبل ساعتين ؟

- نعم .. نعم .. و ..

- وماذا ؟

كان مضطرباً في كلامه وكأنه قد أذنب ذنباً يحاول الاعتذار منه فقال :

- بعد أن اشترت ما تريد أرادت عبور الشارع إلى الجهة الأخرى ,

فلم تكد تخطو خطوةً حتى أتت سيارة بسرعه عالية و..

- وأين هي الآن ؟

- نقلوها الى المستشفى المركزي .

- انتابني أسف وحزن عميق , واسترجعت في نفسي وقلت :لاحول
ولاقوة إلا بالله , والحمد لله رضاً بقضائه وصبرا على بلائه .

- طلبت من صاحب الدكان استخدام هاتفه فقال :

- نعم نعم , هل اتصل لك بشخص ما ؟

- أكون شاكراً لك .

أعطيته رقم الهاتف المطلوب وهو هاتف نقال لسائق إجرة تعرفت عليه مسبقا , وكثيراً ماكنت استأجره بهذه الطريقة

لغرض تنقلاتي الخاصة بالشركة , فتحدثت معه وأخبرته بالمكان المطلوب حضوره إليه , ثم تقدمت خطوات

نحو مكان الحادث فرأيت آثر دماء متفرقة لاتزال باقية هنا وهناك , وسيارة وسط الشارع بصورة غير اعتيادية

قد لطخت مقدمتها بدم مبعثر , حينها أحسست أن الحادث كان شديداً قد لا يبقي على حياتها

- بابا أين ماما لنذهب لرؤيتها .

- حسناً ياولدي سنذهب إليها عن قريب .

- بابا , بابا هذا عمو جمال .

لم ينتظر مرتضى جوابي له , وذهب مسرعاً نحو جمال بعد أن رآه قد نزل من سيارته وقبل أن يصل إليه عاد

ليمسك بيدي ويجرها نحوه وهو يقول :

- بابا هذه سيارة عمو جمال لنذهب معه .

تقدم جمال نحونا وهو يحاول إظهار تأسف وحزن مصطنع على ماحدث بعد إطلاعه على الموضوع من الأطراف فقال :

- يؤسفني ماحدث لزوجتك , أرجو أن تكون بحال حسن الآن ولا يكون الضرر كبيراً , لنذهب بسرعه

إلى المستشفى فسيارتي بخدمتك .

- أشكرك فإني قد اتصلت بسيارة لتأتي بعد قليل .

- اتركها , سيأتي ويعود وهل في ذلك شيء ؟

- نعم , فحين استأجرته يجب إعطاؤه حقه وإرضاؤه ولا يجوز الفرار من إجرته . لم تتأخر سيارة التاكسي

كثيراً فقد جاء مسرعاً وكأنه يعلم بالحادث , فركبت معه وتحرك بينما أعين جمال كانت تلاحقني بنظرات ثاقبة وأعين ساخطة ...

إشراقة أمل 09-02-2009 01:27 PM

رد: oO تَــحـتَ أَجْنِحَــةِ البَــرزَخ Oo
 
الفصل الثاني : نزاهة لا تطاق

كان ما يشغلني أثناء إقامة الفاتحة هو لقائي مع العالم الجليل في هذه الليله , وهل ساتمكن منه على الرغم من

أن صديقي مؤمن لم أتصل به لحد هذا الوقت , وهل سأجد الوقت لذلك , أم كيف ساترك المعزين الذين امتلأ المسجد بهم .

هكذا كانت الافكار تشغل فكري وتجرني بحبالها يميناً ويساراً , وإذ بالحاضرين يقومون وبالصلاة على محمد وآل محمد

يهتفون , ياترى مالذي حدث ؟ ! نظرات الجميع متجهة نحو باب المسجد , التفت أنا أيضاً نحوه , وإذا بالذي

كان يشغل فكري يقدم بنفسه ويطل بوجهه النوراني , نعم , إنه مع صديقي مؤمن وكأنه يتفقد أحد ويسأل عنه ,

أجل إنه يسأل عني بالتأكيد , لكن من أنا وما خطري حتى يطلبني إمام الجمعه , وهل أستحق ذلك ,

أم انه يبحث عن شخص آخر غيري ؟

استقر في مجلسه , وهدأ الحاضرون , واستأنف القارئ كلامه , فتقدمت بخطوات مرتبكة نحوه حتى وقفت أمامه .

فوجئ برؤيتي فقام معزياً لي بكلامه المذكر بالله ورحمته مشفوعاً بجمل من الدعاء لي وللطفل الذي بقي وحيداً معي ,

شكرته على تفضله وطلبت منه الجلوس مع صديقي مؤمن , فجلس وجلست عن يمينه, وأردت أن أؤكد له أنني

على وعدي في الحضور إليه على الرغم مما حدث , لكنه سبقني بالحديث مبادراً بلهجته الحوزوية المحبوبة

عندي والتي كثيراً ما لاحظتها على ألسنة طلبة العلوم الدينية فقال :

- أنا أعتذر من عدم تمكني لاستقبالكم هذه الليلة لحدوث امر طارئ يحتم علي السفر ,

ولا أظنني سأتمكن من ذلك عن قريب أو بعيد لأنكم على أبواب سفر طويل .

لا أعلم إن كان قد أتم كلامه معي أم لا , فقد جاءه وفد للسلام عليه وتجمعوا حوله فانقطع كلامنا ولم أستطع

التحدث معه مرة أخرى حتى نهض وأراد الخروج من المسجد , وكان أخر كلامه معي أن قال :

- إعلم يابني أن خير الزاد في السفر التقوى , فاسع لتحصيلها هذه الايام . ثم غادرنا وذهب لا أدري مالذي

عقد لساني عن سؤاله عن معنى أنني على أبواب سفر طويل , مع أنه حالياً ليس عندي قصد السفر إلى أي مكان ! لا أدري !

انقضت الأيام الثلاثة لمراسيم الفاتحة , وقد اختلفت فيها مع عدة أشخاص من الأقارب بشأن الاسراف والمصروفات

الزائدة عن الحاجة , والتي أفنوا وقتهم وأجهدوا أنفسهم رياءً في رياء . أنا أعلم أن أعمالهم كانت رياءً وهي

عند الميت لاتنفعه بشيء ولا تخفف عن قسوة اللحظات التي يعيشها الآن , نعم انه بحاجة إلى ركعتين خفيفتين

أو آية من القرآن بحضور قلب , أو صدقة قليلة , أو دعوة مستجابة , لكن لا أحد لديه الايمان الحقيقي بذلك .

على اية حال انقضت . ولكن لم ينقض تفكيري بكلام العالم الجليل وجمله الأخيره , فهل ياترى كان يقصد سفر الآخره ؟!

نعم , لعله كذلك وإلا فما معنى وصيته بأن خير الزاد التقوى , وهل التقوى تكون متاعاً لغير الآخرة ,

نعم إنه كان يقصد ذلك ويؤكده قوله ( فاسع لتحصيلها هذه الأيام )

آه الويل لي , إذن أيامي في الدنيا قليلة , آه .. كيق بالصكوك التي لم يصل
وقتها , وكيف بحساب العمّال

الذي كله في دفتري الخاص ولا يكتبه ويقدمه للشركة أحد غيري , أم كيف بالأسرار التي في صدري

والتي طالما ترددت في كشفها متأملا أن يعود جمال لرشده ويتوب من أعماله , إنها أسرار سرقاته من

الشركة وقد لايعلم بها أحد غيري , أم كيف بـ ..

احسست بصداع في رأسي , فقمت من مجلسي وقررت الذهاب إلى بيت جد مرتضى لجلب مرتضى منه ,

فلعل برؤيته وملاعبته تسكن نفسي وتهدأ أعصابي , فأستطيع التفكير بما يجب عمله .

ما أن وصلت حتى حملت مرتضى وذهبت به إلى إحدى الحدائق العامة ذات الخضرة الجميلة وتحت السماء

الزرقاء الصافية , حينئذ أعطيته كرته لينشغل باللعب بها , أما أنا فقد أخرجت ورقةً وقلماً لأكتب ما يجب فعله من اجل الخلاص

من المتعلقات المتشابكة التي طوقت ُ بها عنقي , فكان من ضمن ما قررتُ عليه مصارحة مسؤول الشركة بما اطلعتُ

عليه بشأن جمال , كذلك بيع مازاد عن الحاجة في البيت لتسديد الصكوك , وغيرها من الأعمال التي قررتُ

إتمامها غداً إن شاء الله , عندها قلتُ في نفسي ما احسن أن يكون الإنسان خفيف ثقله مستعد لسفره من هذه الدنيا ,

ليكون ثقيل الميزان في الآخرة , فلو جاءني الموت هذه اللحظة بماذا أجيب ربي , ومن يقضي عني ديوني ,

ووسط هذه الأفكار وإذا بصوت مرتضى ينادي بعد أن أحس بالتعب من اللعب مع الأطفال الذين كانوا في الحديقة :

- بابا , بابا لقد تعبت من اللعب .

- تعال هنا ياعزيزي .

أسرع راكضاً نحوي وضممته إلى صدري فقال :

- أريد ماما , لماذا لم تأت معنا , أريد ماما .

- عزيزي إن ؟امك ذهبت ولن تعود .

- أين ذهبت ؟

لا ادري بماذا أجيبه ليتناسب مع سنّه وسؤاله , فقلتُ :

- عزيزي إن أمك ذهبت إلى عالم آخر لتعيش هناك بجوار الله الذي كانت تصلي له يومياً ,

وكنتَ أنت تأتي لتلعب بمسبحتها على السجادة , هل تذكر ذلك ؟

لقد كان موقفاً عجيباً صدر منه ترك أثراً عميقاً في نفسي لاأظن أن صورته يوماً ما ستنمحي من ذاكرتي ,

إنها صورة مرتضى عندما أثنى رقبته ونظر إلى الأرض , وبدأت قطرات دموعه تسيل على خديه دون ان يصرخ

أو يصدر منه أي صوت آخر .

ذهبنا للصلاة في مسجد قريب من الحديقة العامة , وبعد أدائها أحسست أن صلاتي هذه المرة تختلف عما قبلها ,

فتساءلت في نفسي لماذا انقضى عمري وأنا لم أحس بطعمها إلا هذه المرة , أترى أنها كانت غير مقبولة عند ربي ؟

أم أنها لم تكن كاملة ؟فيا ويلاه ماذا عن صلاتي السابقة , وهل هي في محل قبولٍ عند الحق تعالى , أم أنها مردودة على رأسي ؟

من هنا بدأت دوامة الفكر تحوم فوقي وتجرني يميناً وشمالاً , فحاطت بي وملأت خاطري ,

وساءلتُ مرة أخرى : إذا كانت صلاتي هذه المرة صلاة مودع للدنيا , فلماذا لم تكن كذلك قبل هذا الوقت ؟

ألم أكن أعلم أنني مودع لها يوما ما , فان لم يكن اليوم فغدا أو بعد غد .
هكذا كان حالي في هذه الأيام ,

وكلما قيدتني أفكارٌ كهذه بحبائلها أبعدتها عني بإقناع نفسي أن الله غفور رحيم , وهو القائل في كتابه :

( قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم )

وتلوح في الأفق أمامي كلمات الإمام زين العابدين التي كنت كثيراً ما أقرأها في دعاء أبي حمزة الثمالي كلما تضيق

الدنيا بي وأحس بخوف واضطراب لما سيؤول إليه مصيري , فاقتبس نورالأمل منها خصوصاً عندما يقول : فاعطني من عفوك

بمقدار أملي ولا تؤاخذني بأسوأ عملي , فإن كرمك يجل عن

مجازاةالمذنبين ,وحلمك يكبر عن مكافاة المقصرين , أو عندما يقول : الهي إن أدخلتني النار ففي ذلك سرور عدوك ,

وإن أدخلتني الجنة ففي ذلك سرور نبيك , وأنا والله أعلم أن سرور نبيك أحب إليك من سرور عدوك .

ذات مرة استحضرت هذه الكلمات في قلبي واسكنتها فيه , أحسست بشيء من الراحة والطمأنينة ,

وكأن جيوش الرحمن قد حلت ورايا الأمل أضاءت , حينها حملت مرتضى

وذهبت إلى البيت إذ ساد الظلام وظهرت النجوم مضيئة في وسط السماء , فتركت مرتضى داخل البيت وخرجت

إلى الحديقة الأمامية لأستنشق الهواء وإذا جرس التلفون يدق , أسرعت إليه , ورفعت سماعته لأسمع

صوت مدير الشركة وهو يقول بعد أن حياني بتحية الإسلام :

- مهندس سعيد أردت أن أسألك عن السقف الخامس للمبنى رقم 60 هل هو حاضر للصب غداً ؟

- هناك نواقص قليلة فيه , لكن يمكن إصلاحها غداً إن شاء الله , وسأكون قبل الظهر هناك لأشرف بنفسي على إتمامها .

- يعني هل يمكن التوصية على الصب بعد غد ؟

- يمكن لك ذلك .

- أ أ .. مهندس ارجو أن لاتقطع الاتصال .

- تفضل هل هناك شيء ؟

- نعم إن لدي حديثا معك بشأن مهندس جمال , وقد يطول الكلام فيه ولا يمكن طرحه عبر الهاتف ,

فهل تسمح لي باليسير من وقتك للتحدث بشأنه ؟

- هل تريد أن تأتي غداً الساعة ارابعة عصراً إلى المكتب ؟

- أنا أود أن يكون الحديث سرياً , إذ إن موضوعه يتطلب ذلك , وأفضّل أن يكون ليلاً تجنباً لتعثره بسبب كثرة المراجعين لكم .

- لابأس بذلك , يمكنك أن تأتي الساعة التاسعة ليلاً إلى بيتنا وسأكون بانتظارك غداً هناك .

- وماذا لوكان اللقاء هذه الليلة , يعني الآن ؟

- الآن ؟ ! ولماذا كل هذه العجلة فهل الأمر يستوجب ذلك ؟

- نعم يستوجب كثيراً .

- حسناً ساكون بانتظارك من الساعة التاسعة إلى العاشرة .

- أشكرك وفي أمان الله .

يبدو أن الوقت سيدركني , فعليّ تحضير العشاء لمرتضى فقد بدت عليه علامات الجوع , وليس من الصحيح أن يبقى هكذا .

على كل حال وصلت في الوقت المناسب إلى بيت مدير الشركة , وتم اللقاء في بيته , وبدت عليه علامات التعجب

والتأسف كثيراً لما كان يسمعه بشأن جمال , وبدأ يضرب أخماساً بأسداس عندما تكشفت له أمور كان غافلاً

عنها وبأدله لايمكن حملها على امر آخر , فأحسست بثقلها عليه كلما صارحته ببعضها , وفي المقابل كنت

احس بخفة الثقل عني شيئاً فشيئاً وكأني أرفع صخرة بعد أخرى من على ظهري , لأضعها على عاتقه

وأُلقي بمسؤليتها نحوه , توقفت عن الكلام وذهب في تفكير عميق رفع رأسه بعدها وقال :

- لكن لماذا لم تصارحني بذلك قبل هذا الوقت ؟

- كنت أتأمل منه أن يعود إلى رشده ويعيد الأموال إلى محلها كما كان يعد بذلك بين مدة وأخرى ,

ويلمّح على أنها قرض لاأكثر , وله صلاحية التصرف بها .

- انه سيأتي غداً قبل الظهر إلى المبنى رقم 60 , أرجو أن لا تكلمه بشيء عن حديثنا هذا ,

فاني أعلم كيف سأتصرف معه .

في صباح اليوم التالي وكالعادة حملتُ مرتضى إلى بيت جده , ثم توجهت إلى البنك لأضع في الحساب مقداراً

من المال الذي حصلتُ عليه من بيع عدة حاجات من البيت , بعدها توجهتُ إلى موقع العمل الذي فيه أبنية

عائدة للشركة كانت قيد الإنشاء , وأعطيت كل عامل بطاقة تحوي على جدول أيام عمله يوماً بيوم مع إمضاء

عليه حتى يمكن لهم مراجعة الشركة لاستلام مبلغها في حالة غيابي آخر الشهر .

لأول مرة في حياتي أحسستُ أني أصبحت حراً غير مقيّد , خفيف العبء , قد فُكّت جميع القيود عني ,

وقُطّعت كل الحبال مني إلا حبل الله , ولاشي الآن يمنعني من الوصول إليه , إلى الهدف والغاية , إلى المقصد من خلقي ...

وبينما أنا في دوامة الفكر هذه وإذا بأمر يخطر على ذهني ... أنا شكوت لإمام الجمعة الحُجُب التي تمنعني

من الوصول إلى الله , وقد علمتُ الآن إنه لم يتركني دون جواب عن عدم مبالاته منه , بل أراد لي

معرفة الطريق بنفسي , وقد لمستُ الآن أن الوصول إلى الله والدنو منه لا يكون إلا بالتحرر من

تبعات الدنيا ومادياتها والتزود بزاد التقوى للرحيل إليه ...

آه لماذا كل هذه الحجب قد وضعتُها أمامي , فهي كالسد الشامخ الذي يمنع الحقيقه أن تظهر بوجهها النوراني ,

لاأدري لماذا يصنع الإنسان شقاوته بيده ليعيش الدنيا في ظلمات الحيرة والضلال والحرص والغضب ,

ولايذوق السعادة حتى لقطرة منها , بل الأكبر من ذلك لماذا يفشل الإنسان في معبر قصير , ونعيم الأبد ينتظره

, ولماذا يقدم الإنسان بنفسه إلى جهنم كان يعلم أنها أمامه , لماذا كنتُ هكذا ولم أذق السعادة إلى هذه اللحظة ,

وقد خالطها الندم والحسرة على ما سبق .

zainab 11-02-2009 12:33 PM

رد: oO تَــحـتَ أَجْنِحَــةِ البَــرزَخ Oo
 

واصلي غاليتي ..

.

.

متابعه لكل ما يسطر هنا !!

إشراقة أمل 11-02-2009 01:06 PM

رد: oO تَــحـتَ أَجْنِحَــةِ البَــرزَخ Oo
 
كنتُ أنجز الأعمال المطلوبة على الرغم من دوامة الأفكار هذه حتى أصبحت الساعة العاشرة والنصف صباحاً .

توجهتُ إلى المبنى رقم 60 لأرى إن كان السقف قد رُفعت نواقصه التي أبلغتهم بها يوم أمس أم لا ,

وعلى الرغم من بُعد المسافات بين الأبنية , فقد اخترتُ المشي للوصول إلى هناك , فالمسافة لا تستحق إعطاء أجرة لقطعها .

وصلتُ المبنى وتوجهتُ إلى السلم للصعود إلى السقف الخامس , وفي أثناء الصعود كان لي توقف

في كل طابق لأرى وأسجّل مراحل تقدم العمل فيها وماهي احتياجاتها .

.

وكذلك للإشراف على كيفية إجرائها طبق الخرائط المطلوبة , حتى وصلت الطايق الرابع وإذا بجمال

واقف كأنه ينتظر شخصاً ما , ولما رآني ابتسم ابتسامته الكاذبة التي تعودت عليها ثم قال بلهجة ساخرة :

- ماذا ستفعل يامهندس سعيد , الصب غداً والسقف غير مهيأ .

- لدي الوقت الكافي لتحضيره فلم يبقى نقص إلا الشيء القليل .

- إذن لنصعد فوق السقف ونر هل ما ستقوله صحيح أم لا .

أخذ بيدي يجرها بقوة بعد أن مسكها وهو يقول :

- هيا نصعد فليس لدينا وقت كاف .

- يجب علي أول أن اتفقد هذا الطابق ثم نتوجه لما فوقه .

لاحظ جمال إصراراً كبيراً مني على ذلك , ورأى أن ليس في اليد حيلة فقال :

- حسناً لنتفقد معك هذا الطابق ونرى ماذا سيجري .

لم يطل بقاؤنا فيه كثيراً , بعدها توجهنا إلى السقف الخامس , صعدت بخطوات بطيئة وهادئه تدل على التعب من

الجولة التي قمت بها لحد الآن , اما جمال فلاحظت خطواته مرتبكة , ووجهه مضطرب , ولونه يتغير بين الحين والآخر ,

كما لاحظته في كلامه متردداً تخالطه ابتسامات مفتعلة تظهر بها أسنانه في كل مرة بصورة قبيحة ,

فتعجبت كثيراً من تصرفاته , إنه لا يعلم بحديث البارحة مع مسؤول الشركة بشأنه ,

إذن فما هذه التصرفات الغريبة منه ؟ ! على أية حال وصلنا و استقرت اقدامنا فوق السقف الخامس ,

لقد كانت مساحته كبيرة تقارب الألف متر مربع , ألقيت نظرة عامة عليه فلم أر غير شخصين كانا فوقه ,

اتجه جمال نحوهما , ولم يطل كلامه معهما حتى تفرقا واتجه نحو السلم للنزول , فناديتهما و

واتجهت نحوهما وقلت لأحدهما وقد وضع قدمه على الدرجة الأولى من السلم :

- إلى أين تذهبان ؟ وماذا قال لكما المهندس جمال ؟

- لقد أمرنا المهندس جمال بإحضار 10 قطع حديد بقطر 20 وبطول 4 أمتار .

- لكنا لانحتاج إلى حديد بهذا القطر والطول للسقف , لقد وُضعت ورُبطت كلها بالأمس .

- ماذا نفعل يامهندس فانه قد أمرنا بذلك , وان لم نفعل فسوف يرتفع صراخه علينا .

- حسناً يمكنكما الذهاب , لكن هل أكملتما النواقص التي عينتها لكما بالأمس .

- نعم يمكنك التأكد منها .

ذهبا وتوجهت نحو جمال فرأيته وقد اصبح الارتباك على وجهه اكثر فأكثر , وازداد احمرار لونه فسألته قائلاً :

- جمال مالذي حدث ؟

- لاشي , تعال هناك لأريك النقص الذي لم يصلح لحد الآن .

قال هذا وقد أمسك بيدي ليجرها نحوه , وهو يشير إلى حافة السقف قائلا:

- هناك لنذهب هناك .

اتجهت نحو حافة السقف ونظرتُ إلى الحديد الذي رُبط فيه فرأيته مطابقاً للخرائط , وليس فيه نقص يُذكر ,

فوقفت منتصباً لأقول له إن الربط صحيح , لكن قبل أن أتفوه بكلمة , أحسستُ بوضع يديه على ظهري ,

ودفع بي بقوة من على السقف إلى الأسفل , ولم يكن هناك شي تمسك به يدي , فنظرتُ لما تحتي

في اللحظة الأولى من السقوط , وإذا بقطع الحديد الحادة المبعثرة هنا وهناك , حينها تيقنتُ أنها لحظات الخلاص ,

وماهي إلا أنفاس قليلة وتنكشف الأسرار ويظهر الغيب الذي أُخفي عني طول عمري , هي لحظات معدودة

لا أكثر وسأصل إلى ما تخوفتُ منه تارةً واشتقتُ إليه تارة أخرى .

هي لحظات السقوط بين السقف الخامس والأرض , وقد لا أعطي حقها في الوصف إن وصفتها ,

لكن أقول بشأنها انه لم يبق لي فيها غير الله أحد في الوجود أتوجه إليه , ولاشي انظر فيه ولا أمل أتطلع إليه ,

فقد قطعتُ خيوط الأمل من كل شي غير الله , بل كل شي غاب عني ولم يبق لي أحد سواه ,

وحقاً في تلك اللحظات أحسستُ بمعنى التوحيد , وتذوقتُ طعمه , حينها نطق لساني صارخاً يا الله يا الله يا ...

ولم أكمل الثالثة حتى سمعتُ صوت السقوط قوياً على الأرض , وبدأ الألم شديداً يسري في بدني ,

وسُلبت مني القدرة على الصراخ , وانشلّت أعضائي عن الحركة , وحجبت عني الرؤية ,

فلم اعد أر شيئاً ولا أبصرُ احدا وغرقت ُفي إغماء شديد وعميق ...

.

.

إشراقة أمل 11-02-2009 01:10 PM

رد: oO تَــحـتَ أَجْنِحَــةِ البَــرزَخ Oo
 
الفصل الثالث على أبواب السفر

أفقتُ من حالة الإغماء العميق الذي غرقتُ فيه , وظهرت لي ملامح شخص لم أتعرف عليه مسبقاً ,

ولم أرَ له من قبل نظيراً , وكلما أنظر إليه تبهت عيني لرؤيته , وينبهر فكري لعظمة خلقه ,

فهو بهيئته يعجز الخيال عن وصفه ومقارنته بخلق من مخلوقات الدنيا . ظهر فجأةً بين الجمع المزدحم حولي ,

يصاحبه عدة مخلوقات أخرى ذات أجنحة لطيفة وأبدان تبدو خفيفة , لكن العجيب أن الناس كانوا

مشغولين بيَّ عنه , ولم يلتفتوا إليه على الرغم من غرابة منظره واختلاف هيئته وعظمة خلقه ,

وكأنهم لم يروه , أما أنا فقد شغلني هو عن غيره , ولم أعد أنظر إلى ما حولي بقدر ما أنظر إليه ,

نعم يبدو انه كان بجانبي ثم ابتعد عني , والآن بدأ يقترب أكثر فأكثر ,

فاضطربتُ حتى أحسستُ برجفة في بدني , وكلّ لساني عن النطق والسؤال عمن يكون .

التفتَ إلى من كان معه وتكلم معهم بكلام لم أفهمه , إذ اختلط كلامهم مع دوي من اجتمع حولي ,

وصراخ عدة نساء يبدو أنهن قد أتين من البيوت المجاورة للمبنى , لكني التقطتُ منه بعض الكلمات منها قوله لهم :

- انه من المؤمنين , لكنه لم يصل إلى مرتبة الأولياء فارفقوا به قليلاً وأعينوه على نطق الشهادتين .

كان بدني بصورة لا يسمح بالتحرك يميناً ويساراً , وبصعوبة بالغة كنتُ التفتُ إلى ما حولي ,

فوجئتُ بصديقي مؤمن وهو يصل بصورته المشرقة , ويجلس بجنبي ليقول :

- سعيد , سعيد هل تسمع كلامي ؟

أجبته بصوت ضعيف جداً :

- نعم .

- سعيد , قل لا اله إلا الله وان محمّداً رسول الله , فقد يكون آخر كلام يجري على لسانك , هل تسمعني يا سعيد ؟

سمعت ُ كلامه , وأردت ُ نطق ماقاله لي ولكن ظهر فجأة عدة مخلوقات بوجوه قبيحة سوداء فهي كالقير الأسود ,

أصابني خوف شديد منهم وقد اجتمعوا حولي فأمسكوا بلساني عن النطق , وكلما أردتُ نطق لااله إلا الله

منعوني من ذلك , عندها سمعتُ مؤمنا مرة أخرى ينادي :

- سعيد هل تسمعني ؟

مرة أخرى أجبته بصوت ضعيف :

- نعم .

- سعيد ألم تستطع قول لا اله إلا الله .

- بلى .

- سعيد , يبدو أن الشياطين قد اجتمعت حولك لتمنعك من النطق , والملائكة حولك يرشدونك

إليه فأستعن بهم , انك في حالة احتضار , سعيد , لقد بدأ سفرك الطويل الذي تنبأ به إمام الجمعة ,

هل تفهمني ؟ سعيد , هل تفهمني ؟

لم يكن مؤمن يرى ما أرى , لكن على أثر كلامه بدأتُ أدرك ما أعيش , نعم إنها سكرات الموت ,

وهذا الذي لم أعرفه ملك الموت مع أعوانه قد جاء ليقبض روحي , نعم وهذه ملائكة الرحمة عن يميني ,

وهؤلاء الشياطين عن يساري , الهي ماذا أفعل , الهي يامن أنطق عيسى في مهده انطق لساني بذكرك

التفتَ لي أحد ملائكة الرحمة وقال :

انك كنت كثيراً ما تذكر الله في دنياك , وسنحاول أن نجد شيئاً يبعد الشياطين عنك .

التفت على أصحابه ليقول لهم :

- هل تجدون من أعماله شيئاً ينفعه في أزمته هذه ؟ ادعوا أعماله وأوقاته لتتجسم أمامه .

هول لايمكن وصفه , ولو صب على أهل الدنيا لغشي عليهم ولم يفيقوا , لقد تجسمت أمامي كل الأفعال

القبيحة التي فعلتها منذ لأن بلغت سن التكليف وحتى يومي هذا , آه كم كانت موحشة وكم كانت قبيحة وبشعة ,

وكذلك الأوقات والساعات التي ضيعتها خالية أو مملؤة بالذنوب , يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله ,

ياحسرتي على كل لحظة ضاعت من عمري ولم أملأها بالزاد ليومي هذا , ياحسرتي على كل عمل

خالطه الرياء , ياويلتي على كل مال أخرجته لغير الله , وعلى كل كلمة تفوهت بها أو كتبتها لغير الله ,

وعلى كل تبسم أو فرح لم يخالطه ذكر الله , وياويلتي على المال الذي تركته والأثاث ذي القيمة العالية

التي بقيت ساكنة البيت , فبماذا تنفعني الآن , آه وما هذه الوحوش المخيفة المظلمة في سوادها ,

وهل سترافقني ؟ وإلى متى ؟ وما ذلك الأسود المكشر أنيابه , وما هذا السوط الذي بيده ؟ آه آه ...

لشدة الهول الحسرة أغمي علي , ولم أفق إلا بسياط الشيطان الذي كان قد أمسك بلساني ,

وأبرز أنيابه ضاحكاً ومقهقهاً بصوت عال وشكل قبيح وهو يقول :

- ياعزيزي , لا تتحير وقل ربي الدنيا , ألم تر أن الدنيا كانت زهية بهية , ألم تر أن الشريف

من شرفته أمواله , ولو كنت مطيعاً لها بما أمرتك ما وصلت إلى هذه الحال , فذلك جمال لايزال يترفه

ويتنزه ويأكا ويشرب ما يشتهي ويتلذذ بما يريد , فهل تعلم كيف وصل إلى ذلك ؟ أنا أقول لك , إنه اطاع

الدنيا فاوصلته إلى هذا المقام , إذاً فهي الرب لا غيرها , وأنا أنصحك بأن تعترف بذلك ,

فلعل حالك يتحسن , ولعلي مع أعواني الذين تراهم نستطيع أن نخرجك مما أنت فيه .

ازدادت حيرتي , واسودت ظلمتي , وانشل فكري عن التفكير , فأصبحت أنظر لما حولي يميناً ويساراً ,

وإذا باحد ملائكة الرحمة يقول :

- أنظر إلى هناك , إنها أعمالك الحسنة الخالصة لله وأفكارك الطيبة وأوقاتك التي ملأتها بطاعة الله

وتلك مساعداتك لإخوانك , وتلك نفقاتك في سبيل الله ...

كنت أنظر إلى خلاصة أعمالي الحسنة واحداً واحداً وحسب ما يعرفني به الملك , فاستبشرت

وفرحت بذلك كثيراً على الرغم من الحسرة التي لم تزل ترافقني على عدم الإكثار في كل واحد منها ,

حينها توجه أحد الملائكة نحو ملك الموت وقال له :

- لقد وجدنا في أعماله ما ينفعه في عدم العدول عن دينه وفي نطق الشهادتين .

قال ملك الموت :

- وما هي تلك الأعمال التي يمكنه الاستغاثة بها ؟

- لقد كان يؤدي الصلاة في أول وقتها , ويصل رحمه , ويحسن بوالديه ,

وكان كثيراً ما يقرأ دعاء العديلة وسورة ياسين والصافات ودعاء ( رضيت بالله رباً ... )

بعد كل صلاة , وأيضاً كان يقرأ زيارة آل ياسين , ويكثر من ذكر لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

إشراقة أمل 15-02-2009 07:39 PM

رد: oO تَــحـتَ أَجْنِحَــةِ البَــرزَخ Oo
 
قال ملك الموت :

- نعم إنني كنت انظر إليه حين وقت الصلاة فأراه يقيمها في أول وقتها , وقد سجلت له ذلك كله .

كنتُ لا ارغب في النظر إلى الشيطان حولي , لكني أردتُ أن أرى اثر كلام الملائكة مع ملك الموت عليه ,

فرأيته قد اشتعل غضبه بعد أن ترك لساني وقال لأعوانه :

- لا فائدة من الجلوس هنا والحديث معه , إن لديه من الأعمال ما لا نستطيع بوجودها تغيير عقيدته

ومنعه من نطق الشهادتين , اذهبوا جميعاً وسوف انتقم منه ...

ذهبوا عني وهم يجرون بأذيال الخيبة , ونيران الغضب تتطاير منهم , لا أعادهم الله عليّ ولا أراني صورهم

مرة أخرى , حينها سمعتُ وللمرة الثالثة نداء مؤمن وهو يقول :

- سعيد , هل تسمعني ؟

هذه المرة دون أن أقول له نعم , نطق لساني بقول لا اله إلا الله محمّد رسول الله , هنالك رأيتُ الابتسامة

على وجه صديقي مؤمن والدهشة على من كان حولي من الحاضرين , فقد بدأوا يسألونه عما يجري ,

ولماذا تبسم بعدما كان قلقاً خائفاً , وقد ابتل وجهه بالعرق الذي اختلط
بالدموع , نعم حقاً انه

صديق مخلص , ولم يتخلَ عني حتى في اللحظات الأخيرة من حياتي . أما أنا فبعد أن نطقتُ كلمة التوحيد أصبحت لي الجرأة على التكلم مع الملائكة , فقلتُ لأحدهم :
- هل أستطيع أن أخبر من حولي بما يجري لي كي يعتبروا ويؤمنوا بعالم ما بعد الموت ؟

- كلا انك لن تستطيع النطق والكلام مرة اخرى مع أهل الدنيا , وهذه سنة الله في خلقه , وله الحكمة في ذلك .

اقترب مني ملك الموت وسلم بقوله :

- السلام عليك أيها العبد المؤمن .

فوجئتُ بسلامه علي , ولكني تمكنتُ من جوابه فقلتُ :

- وعليك السلام ورحمة الله وبركاته .

- غننا مأمورون من الجليل الأعلى بأخذ روحك ونزعها من بدنك الدنيوي .

- آه , الويل لي , هل تسمح لي بأيام قليلة أعيشها في الدنيا مرة أخرى لأستكثر من أعمالي ,

وأثقل ميزاني , وأودِّع أحبائي ؟

- هيهات من ذلك , فالله لايؤخر نفسا إذا جاء اجلها , وقد أعطاك من الوقت في الدنيا ما يكفي للرقي

إلى كمالات الأولياء , ونيل درجاتهم , فأين كنت من ذلك ؟

سمعتُ ذلك منه فجزعت جزعاً عظيماً , وأصابتني حسرة كبرى , ودعوتُ بالويل على نفسي ,

فبأي أعمال سأقابل بها ربي , وما هي إلا أعمال خمس سنين , أما ماقبلها فقد كانت محاطة بالجهل والغفلة ,

محفوفة بالشك والرياء , استحضرتُ ذلك في نفسي فبكيتُ بكاءً شديداً , فتدارك ملك الموت حالي وقال :

- على كل حال , إن كفة ميزان أعمالك الحسنة قد غلبت على كفّة سيئاتك بعد أن أبدل الله

بعضها حسنات , وقد تقبل توبتك النصوح قبل خمس سنين , فلا تخف ولا تحزن , فو الذي بعث

محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم لأنا أبر بك وأشفق عليك من والد رحيم لو حضرك , افتح عينيك جيداً

وانظر إلى هؤلاء الأنوار هل تعرفهم ؟

انني كنت قد قرأتُ في دار الدنيا أن المؤمن عند الاحتضار يتمثل له الرسول والبتول والأئمة الإثنا عشر عليهم السلام

جميعاً , وهؤلاء الأنوار هم بلا شك , نعم إن عدتهم أربعة عشر , وذلك رسول الله , وتلك الزهراء الطاهرة ,

وذلك أمير المؤمنين علي وبجنبه الحسن والحسين و...

التفتُ إلى ملك الموت وأجبته :

- نعم أعرفهم , إنهم رسول الله صلى الله عليه وآله وابنته الزهراء وابن عمه علي والحسن والحسين

والتسعة المعصومين من ذرية الحسين صلوات الله عليهم أجمعين .

قال ملك الموت :

- صدقت يا عبد الله , فهل تحب أن يكونوا رفقاءك في الجنة ؟ أم تريد العودة إلى الدنيا ؟

أجبته فوراً :

- لا والله , لا أريد الدنيا , فخذ روحي وعجل بها , فأنا لم أفارقهم بقلبي في الدنيا , فكيف الآن

وقد تمثلوا أمامي , ورأيت أنوارهم وحقيقة صورهم .

التفتَ ملك الموت إلى الملائكة وأمرهم بجلب شي من ماء الكوثر , فأتوني به واجتمعوا حولي , وبيد كل واحد منهم

كأس منه , تناولت أحدها وشربت قليلاً منه , لكن أي شراب وأي طعم كان , هو ماء ليس كماء الدنيا ,

فشتان بينهما , شربته على عطش شديد , فأحسستُ بارتواء عظيم وطعم لذيذ ما تذوقتُ في الدنيا ماء ً بلذته ,

وقد وهبني قوة ونشاطاً , وأزال عني النحول والكسل والاضطراب , فسألت أحد الملائكة قائلاً :

-من أين أتيتم بهذا الماء ؟

-انه من ماء الكوثر .

-بالنسبة لنا قريب جداً , ونحن نعطيه لبعض عباد الله المؤمنين لنخفف عنهم ألم الاحتضار , وفراق الدنيا

وأهلها , ونبشرهم بنعيم الآخرة وشرابها .

-وماذا تفعلون بالكفار والعاصين حين تتوفونهم ؟

-ذلك ليس واجبنا , فنحن ملائكة الرحمة نختص بتوفي أهل الأيمان , أما الكفار والعاصون فيتوفونهم ملائكة الغضب ,

يضربون وجوههم وأدبارهم .

أتّم الملك كلامه , حينها بادرني ملك الموت بقوله :

-والآن هل تريد العودة للدنيا ؟

-كلا لا أريد الدنيا , احملوني إلى حيث يشاء ربي .

لم أكمل كلامي حتى أحسست برجفة في بدني , فهمتُ منها أن روحي بدأت تخرج أكثر واكثر حتى

وصلت الحلقوم , فإذا بحديقة واسعةوأشجار ماشاء ربي تمثلت أمامي , فوجهت إليها نظري وفكري ,

فإذا بها من الجمال لايوصف , ومن السعة ماليس لها حد . التفت إلى أحد الملائكة وقلت له :

-ماهذا الذي أرى ؟

قال :

-انه مقامك في الجنة , طبتَ وطاب مثواك , وانك تقدم على رب رحيم كريم .

قلتُ لهم :

-إنني لا أريد العيش في الدنيا مرة أخرى , ولكني أريد العودة ساعة واحدة فقط لأخبر أهلي بما أرى , هل يمكن لي ذلك ؟

-هيهات لك ذلك , ولو رجعتَ وأخبرتهم بما رأيتَ لاتهموك بالكذب والخداع , كما إن عذابهم سيكون

بعد ذلك أشد , ورجعتك إليهم إنما تكون نقمة عليهم لا رحمة لهم .

لم اعد اسمع كلام من اجتمع حولي من أهل الدنيا , لكني ما زلتُ أرى صورهم وألاحظ شفاههم تتحرك دون أن أفهم ما يقولون ,

أما مؤمن فيبدو انه فهم ام روحي قد وصلت الحلقوم , ولم أعد أسمع شيئاً , لذلك لاحظته وقد اكتفى بالنظر لي دون الكلام

. نعم لم يطل هذا الوضع كثيرا حتى اختفت صورهم عني , ولم اعد ارى احدا منهم , ويبدو ان عيني الدنيوية قد عُطِّلت

واصبح بدني جثة هامدة ملقاة بينهم ...

حقاً انه أمر عجيب , ولا اصدق ما أرى , حلّقت روحي فوق بدني , وانفتحت عيني البرزخية لأرى وجوه من

اجتمع حولي من أهل الدنيا قد تغيرت الى حيوانات أو اشباه حيوانات بأشكال عجيبة غريبة , مختلفة فيما بينها ,

الا مؤمنا لايزال بينهم بوجهه النوراني على هيئة انسان , فتعجبت منه كيف لايخالطه الخوف والرعب منهم ,

بل رأيته يهدّأ بهم بعد ان ارتفع عويلهم . أما النساء فبدأن يضربن بأيديهن على وجوههن ويصرخن , فقلت مع نفسي

لاحول ولا قوة إلا بالله , ياليتهم يعلمون أني مازلت حيا أراهم وأسمع كلامهم , لكني أصبحت متأكداً من أنهم لم يعودوا

يسمعوا كلامي مهما ناديتهم وأخبرتهم بحالي , فإنهم مازالوا من أهل الدنيا , ولايتعدى سمعهم وبصرهم الى

ما بعد عالمهم من عوالم الملكوت .

.
.

إشراقة أمل 15-02-2009 07:40 PM

رد: oO تَــحـتَ أَجْنِحَــةِ البَــرزَخ Oo
 
اشتد الصراخ أكثر فأكثر فنادى ملك الموت : ماهذا الصراخ , والله ماظلمناه ولا يسبقن اجله , ولا يستعجلن قدره ,

ومالنا في قبضه من ذنب , وان ترضوا بما صنع الله تؤجروا , وان تحزنوا وتسخطوا تؤثموا .

ازداد عدد الناس حول بدني الملقى على الأرض شيئا فشيئا , وارتفع الصراخ من كل حدب وصوب , فبقيت كالحيران

لا ادري ماذا افعل وقد رأيت ملك الموت وأعوانه قد تهيئوا لمفارقتي , فناديتهم باعلى صوتي :

-ياعزرائيل , يا ملائكة الرحمة , الى اين تذهبون وتتركوني وحيداً في هذا العالم الغريب ,

فأنا لا أعلم الى اين المقصد , وكيف سيكون المسير .

التفت ملك الموت نحوي وقال :

-ياعبد الله اتبع جنازتك حيث حملوها , وستلاقي من يرشدك الطريق .

قلت له :

-ياملك الموت , ماهي العقبات التي أمامي , فإني أخاف الوقوع في الهاوية , وأرى شياطين تحوم حولي .

-أمامك ضغطة القبر , إذ ستكون عليك شديدة وصعبة ومؤلمة لتنقى بها روحك مما علق بها حين وجودها في قالبك المادي ,

ولابد من تطهيرها لتتمكن من عبور مراحل عالم البرزخ , وتنسجم معه .

قلت له وقد أصابني خوف من كلامه :

-وهل يمكن النجاة من ضغطة القبر ؟

-كان هذا ممكناً لك في الدنيا , أما الآن فلا , إذ إن روحك من أول خلقك هي جوهر وجودك وهي من عالم المجردات ,

أما بدنك الذي تراه الآن ملقى على الأرض كان من عالم الماديات , وكلما تعلقت روحك به أكثر كان تقيدها بعالم الماديات أكبر ,

يقابلها ابتعاد عن عالم المجردات والملكوت , وذلك يمنعها من الانسجام معه عند الانتقال إليه , ولهذا ترى كثيرا من

أولياء الله المخلصين قد جردوا أرواحهم من أبدانهم وحرروها , فاتصلوا بالملكوت قبل حلول أجلهم ,

وتنعموا به قبل أن أقبض أرواحهم .

طاطأتُ رأسي وأوكلت أمري إلى الله ثم قلت إلى ملك الموت :

-وماذا بعد ضغطة القبر ؟

-سيأتيك ملكان ويسألونك عن ربك ودينك ونبيك وإمامك وكتابك وقبلتك , فإن أجبتهما تنجو ويفتح لك باب من أبواب الجنة .

قلت له متعجبا :

-إن هذه الأسئلة في غاية من البساطة , وكل شخص يستطيع الاجابة عنها لسهولة حفظها .

-كلا , ليس كما تتصور , فهنا في عالم الملكوت تظهر الحقائق كما هي , فإن كنت قد حفظتها في الدنيا ولم

تكن قد صدقت بها عن علم وفهم وبحث وتدقيق , لم ينفعك ذلك , إذ إن أصول العقائد لا يكفي حفظها فقط ,

ولا يمكن التقليد بها , ومن كان مقلداً فيها لم ينطق لسانه عند سؤال الملكان منه أبدا .

قال هذا وأراد الذهاب فترجيته بسؤال أخير فقال :

-لا بأس بذلك قل ما عندك .

قلتُ :

-كنا في الدنيا نخاف حتى من اسمك , ونتصور انك تأتي لتقبض الأرواح بقسوة شديدة وصورة موحشة ,

أما ما رأيته الآن خلاف ذلك .

-إن ما تقوله صحيحاً , بل أشد قشوة ووحشة مما كنت تتصوره , ولكن هذا حين وصول أجل الكافر والعاصي ,

إذ آتيه بهيأة وحشة ومرعبة , فيكون ذلك أول عذابه حين موته , وانزع روحه بسيخ من نار , فيصرخ ويستغيث ولا مغيث له .

أحسست بشيء من الخجل لكثرة السؤال منه وهو ملك موت كل الدنيا وما انا وما قدري حتى يستهلك كل هذا الوقت معي لذا شكرته ثم فارقني فأحسست بغربة ووحشة شديدة وغرقت في تفكير عميق لم أفق منه الا بعد ان رأيت الجنازة قد حملوها بعيدا عني فأسرعت للحاق بها
كانت السيارة تسير بسرعة بالغة بعد ان وضعت الجنازة فوقها واستقلت عدد من الناس داخلها كان مؤمن احدهم وقد سررت كثيرا عند رؤيته وهو مشغولا بقراءة القرآن والدعاء حتى وصلنا المقصد وهو مكتب للفحوصات الجنائية فحملوا الجنازة الى احدى الغرف الخاصةحيث تم اجراء الفحوصات اللازمةعليها من قبل أحد الأطباء وقد اجتمع حوله عدد من معاونيه اما أنا فكنت أحوم حولهم وأسمع كلامهم وقد أصابتهم الحيرة فقلت في نفسي ليتهم يسمعون كلامي لأخبرهم بأن جمال هو الذي دفع بي من أعلى السقف الخامس ,حينها لايحتاج كل هذه الفحوصات والحيرة في الأمر وعلى كل حال طال بقاؤنا حدود الساعتين في تلك الغرفة المغلقة بعدها أعطوا الأذن بحمل الجنازة لدفنها
حملوها واعلنوا أن مراسيم التشييع ستكون الساعة الخامسة بعد الظهر بعدأن أخبروا اقاربي بما حدث واتفقوا معهم على موعد ومكان للتغسيل والتكفين والتشييع
كنت أحس بعلاقة غريبة تشدني الى جنازتي, واينما كانوا يحملوها أسرع معهم للحاق بها كما انه لن تغيب عن مخيلتي أنوارالمعصومين والجنة التي تمثلت لي وقدح ماء الكوثرالذي تذوقته عندالاحتضارحتى نسيت ضغطة القبرالتي تنتظرني لذا كنت انادي بمن يحمل جنازتي أن عجلوا بي الى مثواي وغايتي
انتهت مراحل التغسيل والتكفين على هذا البدن المسكين الذي كانوايقلبونه يمينا ويسارا ويلقون عليه الدلو تلو الآخر من الماء, بعدها طوي بالكفن الأبيض والناس على ذلك بين مدهوش ومبهوروبين من يستعجل الانهاء ليلحق بعمله ويغرق مرة أخرى في دنياه وكأن الموت كتب على غيره دونه

وضعوا الجنازة مرة اخرى في التابوت وأردوا حملها, واذا بشخص يأتي مسرعا ليخبر الحاضرين بأن الدفن أجل الى غد لحصول مشكلة في شراء ارض القبر وتحديد مكانه وهنا بدأ النزاع واشتد الخلاف بينهم وحاروا بماذا يجيبون الناس وقد أخبرا بأن الدفن والتشييع سيكون اليوم وليس غدا حتى قال كبيرهم ان لافائدة من الجدال وأمربحمل الجنازة الى مسجد المحلة لتبيت هذه الليلة فيه حملوها وتبعتهم وحلقت فوقهم وقد اصابني قلق واضطراب شديدين مما سيؤول اليه مصيري وكيف سأقضي هذه الليلة ومن سيكون مؤنسي حتى وصلوا بي الى المسجد ودخلو افيه ووضعو االجنازة في جانب منه وبدءوا يأتون جمعا وفرادى ليقرأوا الفاتحة عليها وكثير منهم يتمتم بلسانه رياءا دون قلبه, فأشمئز منه اذ لا تنفعني فاتحته بشئ وليته يفسح المجال لغيره فلعله يأتي من يعينني بنسمة أنس بقراءته
ازداد سواد الليل وبدأ الحاضرون يغادرون المسجد شيئا فشيئا وكلما قام أحد تبعته جماعته وكأنه قد فرج عليهم فيسرعون للحاق به مما يزيد وحشتي في عالمي الجديد,حتى خلا المسجد تماما الامن شخص أجبروه على البقاء فيه لكن أي شخص انتخبوا,بل أي حيوان مخيف وقبيح تركوه معي وهولايعرف آية من القرآن أو كلمة دعاء فلم يكن فقط غير مؤنس بل ازددت وحشة وخيفة منه
أخذ صاحبي نوم عميق وارتفع صوت شخيره وبدأح أحوم في المسجد من مكان الى آخر حتى جلست في زاوية منه أحسست باطمئنان وسكون أكثر فيها, وهوغين المكان الذي كنت أخلو فيه وحيدا لقراءة القرآن في عالمي الدنيوي نظرت الى جنازتي واذا بوحوش مخيفة مرعبة قد اقتربت منها واحاطت بها وتهيأت لافتراسها.
يا الهي ماذا أفعل وليس لدي سلاح فأتجرأ به على الاقتراب منهم وابعادهم, وكلما دنوت منهم توجهوا نحوي والقوا علي نظرات مخيفةأكاد أذوب من هولهاوكلما وضعوا أنيابهم على جنازتي أحس بألم شديد لايطاق وكأنهم يقطعون روحي ويمزقونهاوليس بدني الملقى في التابوت,فلا ادري ماهذه العلاقة بيني وبين بدني بعد انفصالي منه,ولم يكن هناك معين استعين به,ولاناصر انتصربه او الوذ اليه, فبدأت اصرخ وأستغيث بصوت عال,وقلت في نفسي عجيب هذا الذي انتخبوه لمبيت المسجد ألا ينهض من صراخي؟

ساعة مضت من العذاب وكأنها سنين,هناك أطلت اشراقة صديقي مؤمن وهو يدخل المسجد وبيده قرآنه الصغير,فتنفست الصعداءعند رؤيته,وتوجهت انظار الوحوش نحوه فتعجبت من عدم خوفه منهم وجلوسه جنب التابوت وقد أحاطوا به لكن ما ان فتح قرآنه وبدأ يتلو ماتيسر منه حتى لاذت الوحوش بالفرارمن كل جانب,ولم يبق احد منهم ,حينها اردت شكرمؤمن لكن لم تكن لي طاقة الكلام معه,فألقيت بنفسي في مكاني الذي كنت جالسا فيه لعل الألم والخوف يغادرني.
زال الألم عني بتلاوة القرآن ورنين آياته فقمت وجلست بجنب مؤمن وسلمت عليه وكلمته مرة وناديته أخرى,لكن لاجواب.
عندها قلت لنفسي يبدو انك لا تريدين القبول بأنك خرجت من دار الدنيا وكل آدمي لا زال فيها لايسمع كلامك ولايردجوابك!
حينها تمنيت العودة للدنيا لالشيئ الا لأشكرصديقي مؤمن وأمسح دموعه التي تنزل من عينيه وتجري على خديه,وأقول له اني مازلت بخيرعلى الرغم من غموض المسير وجهل المصير
أشرقت شمس الصباح, وبدأ الناس يجتمعون في المسجد الواحد تلو الآخرحتى حان موعد الرحيل, فحملوا النعش مسرعين بين بيوت المحلة سائرين ومنادين( لااله الا الله محمد رسول الله علي ولي الله) وقد حلقت فوقهم أى من ينادي ومن يبكي ومن يذكرالله ويستغفر.ورأيت ابني الصغير يبكي ويصرخ بين أحضان خالته فاختلطت دموعه بدموعها وهما يسيران ليلحقا بمن تقدم عليهما حتى وصلوا المقبرة,فدخلوها واستقروابجوار حفرة قد هيئوها بعد أن وضعوا النعش بجنبها.
كان خوفي عظيما وفكري مشغولا بظلمة القبر ووحشته وغربته ووحدته,وماهي الا ساعة تمضي وكل هذا الجمع العظيم سيغادرالمكان,ولايبقى غيري انا وبدني داخل هذه الحفرة الضيقة,وتحت هذا التراب الذي سيصب فوق رأسي
ولا أدري ما يجري بعدها لاأدري
اكتمل حفرالقبر وتعديله فحملوا البدن مطويا بكفنه,ترافقه اصواتهم بالصلاة على محمد وآل محمد و وضعوه في محله ومأواه الأخيرحينها بدأ الملقن بالتلقين وكلما نطق بكلمة أعدتها خلفه وكلما نادى ياعبدالله أجبته قائلا نعم اني اسمع ماتقول حتى انتهى من كلامه ونادى الحاضرين بالصلاة على محمد وآل محمد مرة أخرى وما ان اكملوا صلاتهم حتى بدأ اثنان منهما بالقاء التراب على البدن المسكين
ولم يتركوه الابعد ان امتلأ ما فوقه وتساوت الأرض معه ونثروا الزائد من ترابه هنا وهناك
بدأ المشيعون بمغادرة المكان الواحد تلو تلآخر جمعا وفرادى وانا أنظر اليهم وأسمع كلامهم .ذهب الجميع ولم يبق غير صديقي مؤمن اذ قال لهم اني سأبقى معه ساعة اخرى ,كي لايستوحش سعيد في أول دخوله قبره ولأعيد عليه تلقين الشهادتين مرة أخرى حتى لايكل لسانه بنطقها ولا يتردد في جوابها عند سؤال الملكين اياه

.
.

إشراقة أمل 16-02-2009 08:34 PM

رد: oO تَــحـتَ أَجْنِحَــةِ البَــرزَخ Oo
 
سَــاُكمِــل الرِوَايَــــة ..

لكِــن

عِندَمَــا أَجِــدُ مَن يُتَـابِعنِــي بِحَــق ..!

.
.

zainab 16-02-2009 09:41 PM

رد: oO تَــحـتَ أَجْنِحَــةِ البَــرزَخ Oo
 


أنا هنا أتابعك ..


أكملي .. بوركتِ

إشراقة أمل 20-02-2009 07:45 PM

رد: oO تَــحـتَ أَجْنِحَــةِ البَــرزَخ Oo
 
أحسست بشيء ما يجرني نحو بدني ,فدخلت القبر معه ولم أستوحش منه بالرغم من احساسي بألم الفراق وضيق الآفاق ,وذلك لعلمي بقرب مؤمن ,وأنسي بقراءة القرآن
مضت ساعة على هذه الحالة حتى غادرني مؤمن وغادر النور معه .وبقيت وحيدا في منزلي
وازدادت ظلمة قبري وعظم خوفي ووحشتي ,
واذا بالنداء يأتي من فوق القبر ومن تحته وعن يمينه وعن شماله فأطرق سمعي وشغل فكري وهو يقول
انا بيت الوحشة انا بيت الوحشة
أصابني هول شديد ووضعت يدي على رأسي وصرخت بأعلى صوتي :
من المنادي؟
ومن أين هذا الصوت الذي أرعبني؟
عاد الصوت مرة اخرى ولكن بشدة اكبر وصدى أكثر ,ثم أضاف ألا تعرفني من أنا؟
انا بيت الوحدة والغربة, انا بيت الوحشة والدهشة , ألم تكن تحسب يوما أنك سوف تأتي وتنزل عندي,كنت مشغولا بالدنيا فنسيتني ,
وكنت تعمل وتجمع الأموال لبناء منزل فيها ولم تفكر في منزلك بعد موتك
كنت خائفا منبهرا من كلامه , التفت يمينا ويسارا لعلي أعرف مصدر ذلك الصوت ولكن دون جدوى , فصرخت مرة أخرى:
قل لي بالله عليك من أنت؟ وأين أنت حتى أجيبك؟
قال :
انا القبر الذي دفن فيه بدنك.
قلت :
عجبا وهل القبر الذي كله جماد يتكلم؟
قال:
نعم (أنطقنا الله الذي أنطق كل شيئ)
ولا تتعجب فأن كل شي في هذا العالم حي ينطق كما نطقت لك, ويشهد عليك بما فعلت ولكن الذين بقوا في الدنيا لايعلمون ذلك,
فهم يستخدمون الجمادات ولا يعلمون انها سوف تشهد عليهم , وترى بعضهم يصنعون السياط ووسائل التعذيب ليؤذوا بها المؤمنين وهم لايعلمون أن نفس السياط سوف تشهد عليهم وعلى ظلمهم
سكت قليلا ثم عاد ليقول :
انك سوف ترى العجائب والأهوال عندي اولها ضغطتي عليك,
قلت مع نفسي : بسم الله هذا ماأخبرنا به الرسول والأئمة الاطهار عليهم السلام, فكم قرأت في دنياي عن ضغطة القبر وانها شديدة تخرج زيت البدن منه وتهشم العظام وتكسر الأضلاع و و ؟
آه آه والويل لي كيف سأتحملها أم من ينقذني وينجيني منها ؟ وبدوامة الأفكار هذه كاد يغمي علي لولا أملي بالنجاة , وتذكري مقامي في الجنة الذي رأيته عند الاحتضار , لذلك عزمت على سؤاله فقلت له :
وهل هناك سبيل للنجاة من ضغطتك هذه؟؟
قال:
-الآن كلا كان السبيل لديك في الدنيا فلماذا أهملته ولم تعمل بما قرأته يوم ذاك؟؟؟؟



سمعت ماقاله وتذكت أني عملت بما قرأته في دنياي, فسألته متعجبا:
- لعلك نسيت اذ أنني عملت بها , فهل ترغب بتذكيرك اياها ,
نعم كتنا الاولى كفران النعم , وقد سعيت واجتهدت في شكر نعم الله مااستطعت , والثانية اجتناب النجاسات وقد اجتنبتها , والثالثة الغيبة والنميمة وقد تركتها , والرابعة سوء الخلق مع الأهل وقد كنت حسن الخلق مع زوجتي وطفلي فماذا تقول في ذلك ؟
أجابني بصوته الخشن :
- صحيح ماتقول , ومن جعله الله شاهدا عليك لايخطئ ولا ينسى , ولكن شكر النعم الذي تقول انك اديته , انما الكثير منه لقلقة لسان فقط فعندما كنت تقول الحمد لله , لم تكن تستحضر في قلبك ذلك , ولم يختلط معه الخشوع والذل بمقابل المحمود عندما تحمده , اما مع انسان آخر مثلك , فعندما يقدم لك خدمة صغيرة تشكره وفي قلبك احسان بمنته عليك وكأنك تستحي منه و وقد تشعر ان شكرك اياه لايعادل خدمته لك ,فتنوي منحه هدية ما , أو تجازيه بخدمة أخرى , والآن قل لي هل كانت كل هذه الاحاسيس لديك عندما كنت تقول (الحمد لله)؟؟
تحيرت في اجابته وماذا عساي أن اقول له , لذا التزمت الصمت ولم أجبه فعاد مرة اخرى ليقول :
- ولايكفي ما ذكرته ,للأن شكر النعم لايكون كاملا الا بأداء حقها العملي , فمن رزقه الله المال عليه التصدق ومراعتة الفقراء وأداء الحقوق الشرعية المترتبة عليها , ومن رزقه العافية فعليه صرف قدرته وعافية جوارحه في الله ومن أجل الله وفي خدمة الدين والناس , ومن رزق الجاه والمنصب فعليه العدل بين الناس وأداء حقوقهم بما يتناسب مع منصبه ومنزلته
التزمت الصمت مرة اخرى , فليس عندي شيئ ادافع به عن نفسي , وأصابني اليأس من النجاة منه , ولكن في هذه الأثناء تذكرت انني قرأت ذات يوم في كتاب منازل الآخرة أذكارا تخفف على الأنسان ضغطة القبر , وقد التزمت بها وداومت عليها فلعلها تشفع لي الآن ,
حينها رفعت رأسي قائلا:
ماذا تقول في الأذكار التي كنت أداوم عليها وهي مما يؤمنني منك ومن وحشتك وضغطتك , فأني كنت أقرأ سورة النساء في كل جمعة , وأداوم على قراءة سورة الزخرف و..
قاطعني في كلامي على الرغم من أن لدي ماأقوله أيضا اذ قال :
ان ملائكة ربي قد سجلوا لك كل ذلك صغيرة وكبيرة , وايا منها كان باخلاص ونية صادقة لله وايا منها كان رياء , وايا منها كان لقلقة لسان , كما سجلت لك درجة كل منها , وبناء على ذلك جاءني الأمر من العلي الأعلى ولولا اعمالك وأذكارك تلك التي كانت خالصة لله لكانت ضغطة القبر وعذابه أشد بكثير وكثير مما سوف تلاقيه
تيقنت انه لاجدوى من النقاش معه , فانه مأمور من الله تعالى لا أكثر , وانما هي أعمالي وأذكاري أجازى بها وألاقيها , وما أصدق الامام علي اذ يقول في ديوانه المنسوب اليه :
يامن بدنياه اشتغل قد غره طول الأمل
الموت يأتي فجأة والقبرصندوق العمل

أنقطع الصوت فلم يعد له أثر يذكر,وبدأت أسمع بدلا منه أصواتا غريبة مخيفة ,يرافقها احساس بضغوط عظيمة مؤلمة على بدني الذي مازالت روحي مرتبطة به , وكأن القبر قدكبس علي من جميع جهاته بمكابس زيتية . وفي ذلك الوقت سادت ظلمة شديدة , فصرخت وما من مجيب حتى انقطع نفسي , وبدأت أسمع أصوات تكسر عظامي , وزادت شدة آلامي بدرجة لاتوصف , ولو جمعت كل آلامي في الدنيا لما عادلت جزءأ يسيرا مما يصيبني الآن...
انتهت ضغطة القبر وكأنها طالت سنينا وسنينا , فتركتني نكسر الأضلاع , مهشم العظام ,لا أستطيع الحركة ولا النهوض ,أصرخ صراخ الأطفال من الألم , ومما زاد ا؟لأمر عسرا أن وحوشا سوداء مخيفة دخلت القبر واستعدت للهجوم على بدني , وراحت تكشر بأنيابها المرعبة , وتنظر الي بنظراتها الحاقدة , وتحت أقدامها ظهرت عقارب سودا مخيفة , وفي جانب آخر انطوى ثعبان ضخم الهيئة مخيف المنظر كان يخرج لسانه الملتهب مرة ويدخله مرة أخرى , وكأنه يعطي تذيرا باللدغ والأفتراس , والذي يزيد المشهد وحشة أن جميعها كانت تصدر أصواتا مخيفة للغاية وتخرج من أفواهها شرارات ملتهبة تنذر بافتراس قريب الوقوع , حينها سالت دموعي أسفا وحزنا على حالي وضعفي بين هذه الوحوش المفترسة والحيوانات المهولة . أحسست أن الآفاق ضاقت بي وأزمتي بلغت ذروتها . هناك انقطع املي من كل شيئ غير الله , فانطلق لساني مرددا :
يغياث المستغيثين , ياأنيس المستوحشين , ياأمان الخائفين ( يامفزعي عند كربتي وياغوثي عند شدتي اليك فزعت وبك استغثت وبك لذت لا ألوذ بسواك ولا أطلب الفرج الا منك ) , ثم أعقبت استغاثتي هذه بالتوسل بأصحاب المنازل العظمى عند الله : (يا محمد ياعلي ياعلي يامحمد اكفياني فانكما كافيان وانصراني فانكما ناصران )
بدأت الوحوش تتقدم نحوي بهيئتها المخيفة , وراحت العقارب تقفز هنا وهناك وكأنها سعيدة بفريستها التي اقترب موعدها .
ياله من أمر عجيب !
كانت بكل خطوة تقترب فيها تنكشف ظلمة القبر أكثر فاكثر حتى انجلت , واذا بكائنات لطيفة منيرة ذات صور جميلة تدخل القبر,وتقف أمام هذه الوحوش المتقدمة لتعلن الحرب معها , حينها عادت لي أنفاسي وبقيت انتظر ماذا سيحدث ......
بدأ الصراع العنيف بين المجموعتين وكم كان شديدا لدرجة امتلأ القبر من غبرته , واختفى الثعبان على أثره , وبقيت الوحوش والعقارب بين الفر والكر حتى خرجت هاربة , ولحقتها العقارب الا واحدا قفز نحوي وعلق بقدمي , فلسعها لسعة شديدة مؤلمة وغرز ابرته فيها ولم يخرجها منها , فصرخت صراخا عظيما من ألمها واستنجدت بالكائنات المنيرة ولكن لا أحد يتجرأ على سحبها وابعادها عني فبقيت هكذا بين اللوعة والألم والصراخ والعويل ..

اقترب مني احدهم وكان أجملهم صورة وأكثرهم نورا وأعذبهم كلاما فراح يمسح على بدني بيده اللطيفة الشفافة ويهون علي مالقيته من ألم ووحشة حينها بدأ الألم يغادرني , ويزول شيئا فشيئا وأحسست بقوة تمكنني من النهوض والحركة حتى زالت جميع آلامي الا ألم العقرب الذي لم يزل عالقا بقدمي .
شكرته كثيرا مع رفقائه وشكوت له مالقيت فقال:
ان كل ما رأيته وسوف تراه هو صور لمجسمات أعمالك السيئة وعقائدك الباطلة المنحرفة , وهي ستكون مؤذية مهلكة لاتتهاون عن جلب الشر اليك حتى تلقيك في قعر جهنم , وما رأيته من وحوش وعقارب وثعبان انما كان جزءا بسيطا منها , لكن بمقابل هذا ستكون هناك جبهة أعمالك الحسنة وعقائدك الحقة , وهاتان الجبهتان في صراع دائم في عوالم مابعد الموت , وهكذا كانت في عالم الدنيا , الا أن الفرق بينهما ان كنت قادرا على نصر كفة على أخرى , اما في البرزخ وبعده فلا يمكن لك ذلك , ولا حول ولا قوة الا برصيدك من الحسنات والطاعات وأعمال الخير التي ادخرتها لنفسك في دار الدنيا.
انني في عالم الدنيا لم أكن أصدق بدرجة اليقين ما أقرأه في بطون الكتب من تجسد الأعمال في عوالم مابعد الموت
وكنت اعتبر ذلك غير قابل للتصور , الا ان ما اشاهده الآن وما ألاقيه اثبت لي صحتها وصدقها فقلت اليه:
هل لك أن تخبرني عن أعمالي السيئة التي تجسمت بهذا الشكل المرعب من الوحوش والعقارب والثعبان؟؟
قال :
- ان كل مؤمن لايقضي حاجة أخيه المؤمن وهو قادر عليها , يسلط الله عليه في قبره ثعبانا يعرف بالشجاع , ولأنك في مندوحة وبعد عن مثل هذه الموارد لذلك كان ثعبانك ضعيفا , وقد يظهر لك فيما بعد في المراحل القادمة من مسيرتك في عالم البرزخ , اما العقرب الذي علق بقدمك ولم يزل يؤذيك فهو دين عليك لم تؤده الى صاحبه
قلت متعجبا :
ولكني أديت كل الذي كان علي من أموال الناس , ولم يبق شيئ في عنقي .
قال :
قبل احد عشر عاما اقترضت من صديق لك في الجامعة اسمه أحمد مبلغا قدره 300 دينار , ولم تره مرة اخرى بسبب انتهاء الدراسة , كما انك لم تسجله في دفتر ديونك ولم تؤده له حتى الآن .
كنت اتلوى من الألم وبين الحين والآخر يغرز العقرب ابرته في قدمي , فأصرخ صرخات عظيمة تقطع حديثي , لذلك وبعد انقطاع قليل عدت الى الحديث فقلت له :
- بالله عليك خبرني كيف السبيل للنجاة من هذا العقرب الخبيث؟
- ان العقرب سوف يبقى عالقا في قدمك حتى يؤدي عنك شخص ما دينك في عالم الدنيا أو يبرئك صديقك منه .
أصابني غم عظيم , وغمرني الحزن في نفسي وأخذتني الحسرة على تلك التبعة المؤلمة فليس هناك شخص يعلم بها وينقذني بأدائها , ولا أنا كتبتها في وصيتي ولا..


وبينما انا في تلك الدوامة من الفكر الذي اختلط به أنين الألم واذا بصوت مرعب مهول يملأ القبر , فهو كصوت الرعد في السماء . نظرت الى صاحبي الذي كنت أ تحد ث معه فاذا به مبهورا من ذلك واتخذ جانبا من القبر مع رفقائه ليراقبوا ما سيحدث , اما أنا فكنت أكثر أضطرابا عندما رأيت كائنين دخلا القبر بهيئة ذات ملامح عجيبة غريبة وهيبة عظيمة مخوفة توحي الى عظم شخصيتهما , فلم أرى مثلهما مخلوقا قط في عالم الدنيا , كانت أبصارهما كالبرق الخاطف وأصواتهما كالرعد القاصف . بادرني احدهما بالسؤال قائلا :
- أجبنا من ربك ؟
تذكرت ماقرأته سابقا في الكتب عن الملكين منكر ونكير , وأنهما يختصان بسؤال الميت عن عقائده , حينها سألتهما :
- هل أنتما منكر ونكير ؟
قال الآخر :
- نعم ولا بد لك من الاجابة على أسئلتنا كي نعلم صحةعقائدك , وأنها نابعة من الايمان القلبي , لامن تقليد ولقلقة لسان . والآن أجب عن السؤال الأول دون تأخير من ربك ؟
كان سؤاله للمرة الثانية بغضب اكثر وصوت أعلى , حينها أسرعت بالاجابة فقلت :
- ربي .. ربي ..
ياالهي ان لساني غير قادر على نطق ما أردت نطقه , بل نسيت مانويت قوله ونويت الاجابة به , فأصبحت أنظر اليهما تارة والى الكائنات المنيرة تارة أخرى لعل أحدهم يسعفني , وبدلا من ذلك رأيت شخصا أسود اللون كالقير , قبيح الشكل , موحش المنظر , قد برزت أنيابه فزادته قباحة فوق قباحته , وبدت منه رائحة كريهة زادتني نفورا منه . بدأ يقترب مني حتى استقر امامي وقال :
- اراك كل لسانك عن النطق وتعثرت في الاجابة , ولكن لا بأس عليك فسوف أنقذك من مأزقك , قل ان ربي أنتما الملكين , وكل شيئ بيديكما , الا ترى قوتهما وتسلطهما عليك , فلو شاء أحدهما أن يحرقك الآن لفعل . وعلى أفرض اكذب عليك كما تظن , ففي جميع الاحوال ان أجبت بما قلته لك , فسوف تنجو منهما لأن أي شخص تمجده وتمدحه فسوف تغمره نشوة الكبرياء والسلطة , وسوف يعفو عنك , بل قد يكرمك ويكافئك على تمجيدك اياه .
كنت متحيرا في أمري بين كلام هذا القبيح الأسود , وبين ما كنت أؤمن به من توحيد الله , فتساءلت مع نفسي لماذا لايبرز هذا الايمان بهيئة جواب للملكين , فهل ان توحيدي لله لم يكن خالصا في الدنيا ؟ أم أنه كان سطحيا لم يتوغل في اعماق قلبي ولم يعجن مع روحي لتي لم تفن حين موتي ولن تفنى حتى الأزل . اذ أن ضعف الايمان والتوحيد تجسد بهذه الهيئة من التعثرات في الجواب , وبينما انا في تلك الدوامة من الفكر واذا بأحد الملكين يصرخ في وجهي :
- لماذا لك تحب حتى الآن عن سؤالنا ؟ الم تعلم من ربك ومن كنت تعبد ؟
وقبل أن ابدأ كلامي المتعثر من جديد سمعت أحد الكائنات النورانية ينادي :
- قل ربي الله , قل ربي الله الذي لا اله الا هو .
بعدها نادت جميع الكائنات النورانية بصوت واحد منتظم :
قل ربي الله , قل ربي الله الذي لااله الا هو .
وبعد أن سمهت كلامهم قل اضطرابي واطمئن قلبي وانطلق لساني, فقلت :
- ربي الله ربي الله الذي اله الا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر
تنحى القبيح جانبا وكأنه فشل في مهمته السيئة , وبقي ينظر الي بنظرات حقد وشر منتظرا فرصة أخرى يتدخل بها .


قال أحد الملكين :
ان توحيدك لم يكن خاصا لله بصورة كاملة .لقد كنت في بعض الأحيان تعلق الرزق أو النجاة من مصيبة وقعت فيها بأشخاص مخلوقين مثلك , كما ان بعض أعمالك يخالطها الرياء وحب الشهرة والسمعة , غافلا عن أن ذلك مخالف للتوحيد الخالص لله الذي بيده أسباب الكون ومسبباته , لذلك لم تتمكن من الاجابة الا عد مساعدة الولاية ورفقائها من الصلاة والصوم والزكاة والحج والعمرة والبر والاحسان , ولولاها لفشلت ولأحرقنا عليك القبر وجعلناه بابا الى جهنم التي توعدكم الله بها .
نظرت الى الكائنات النورانية وقلت بصوت متعجب مندهش :
- اذن انتم .. انتم كما قال ..
لم يجبني احد منهم , وبدأ ينظر كل منهم للآخر ثم قال احدهم :
- ان منكرا يعرفنا ولا بد أن نكون كذلك .
التفت الى الملكين بعد أن عرفت أيهما منكر وأيهما نكير فقلت :
- اذن الذي على يميني منكر والذي على يساري نكير .
قال منكر :
- بقيت أمامك أسئلة ان نجحت في الاجابة عنها نجوت , والا هلكت وبقيت في عذاب وبلاء الى ماشاء الله . ولآن أخبرنا من هو الرسول الذي ارسله الله اليكم وبأي دين جاء فأطعتموه ؟
كانلدي اليقين الكامل بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وبرسالته فقد طالعت الكثير من الكتب التي كانت تثبت ذلك , وتعطي الأدلة الشافية على صحة رسالته التي جاء بها , لذا لم تكن هناك صعبة في الاجابة اذ قلت وانا اظهر الاتزان والاطمئنان في كلامي :
- ان نبينا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله آمنت به بالدليل دون ان اراه , واتبعت رسالته دون ان أكون معاصرا له , واتبعت خليفته من بعده علي بن ابي طالب الذي كان حجة الله على خلقه , ثم تلاه في الامامة احد عشر كوكبا معصومون من الزلل , أمرن بطاعتهم , فكانوا هم سفينة للنجاة وسبيلا للهداية , واذا شئت ذكرت لك أسمائهم واحدا تلو الآخر.
كنت خلال حديثي مع الملكين انظر لمن حولي فرأيت القبيح يشتعل غضبا ويمتلئ غيضا لدرجة انه لم يحتمل البقاء, فترك موضعه واختفى فلا أثر له !
اما منكر ونكير فبعد انتهاء كلامي سمعتهما يتحدثان بصوت خافت لم أفهمه , بعدها توجه نكير بالكلام لي وقال :
- انك سبقت سؤالنا حول الامامة بحديثك فلا نسألك عنها , ولكن قل لي بأي دين جاء نبيكم وأي كتاب وأي قبلة اوصاكم بالتوجه اليها ؟
كنت في الدني احب قراءة القرآن وأءنس به , اذ كنت أشعر بأن الله تعالى هو الذي يخاطبني , وكلما تدبرت في آياته ازددت يقينا , وبدت لي معجزات عظيمة فيه , وظهرت لي حقيقة الدين الذي اعتنقته وهو الاسلام , ولشدة حبي لتلاوة القرآن كنت أحمله معي الى موقع عملي , فأتلوا ما تيسر منه في وقت فراغي , وبسبب هذه العلاقة بيني وبينه تمكنت من النطق بطمأنينه فقلت :
- نبينا الكريم جاء بدين الاسلام وهو أكمل الاديان وخاتمها وكتابنا القرآن وهو(كتاب احكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير)
وقبلتنا الكعبة فهي محور توجه المسلمين الى الله الذي امرنا بها بقوله ( وحيث ماكنتم فولوا وجوهكم شطره)
كنت سعيدا جدا لتمكني من الاجابة , وكا بودي الاسترسال بالحديث اكثر لولا اني شعرت بتجاوز حدود السؤال لذا توقفت عن الكلام وانتظرت ان يبادراني بالسؤال مرة اخرى.



قال منكر وقد بدت عليه ملامح التبسم الممزوج بالهيبة والوقار:
- ان اجوبتك كانت مصداقا للآية الكريمة( يتبت الله الذين آمنوابالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة)
وهي انما كانت حصيلة جهودك في البحث عن الحقيقة وتحصيل العقائد الحقة خلال سنين عمرك الأخيرة , كما أن تلقين صديقك مؤمن حين نزول بدنك في القبر كان له الأثر في ذلك, اضافة الى مساعدة بعض الأعمال والأذكار التي أديتها في الدنيا , من قبيل صيام شهر شعبان , واحياء ليلة الثالث والعشرين من رمضان وصلاة مائة ركعة فيه
انتهى كلامه فسألته قائلا:
- يبدو ان لديكما العلم والاطلاع بدرجة الايمان في قلبي وصدقه من كذبه , وماهي العقائد القوية والضعيفة لدي , اذن فما وجه تساؤلاتكما هذه ؟
أجاب قائلا :
- ان اسئلتنا كانت لغرض اظهار مستوى عقائدك اليك لتطلع عليها,حينها سوف لاتعترض على أي أثر نرتبه طبقا لذلك, وهدف آخر منها هو ان هذه الاسئلة والاجوبة تكون سرورا للمؤمن ان اجاب عنها وعذابا للكافر اذا تعثر فيها, كالطالب الذي يفرح عندما يجيب عن اسئلة معلمه , وبعكسه الكسول الذي يخجل ويحزن لتعثره فيها , وما ذلك الا ضرب من ضروب الثواب والجزاء.
لم يترك الملك مجالا لسؤال آخر فبادر قائلا :
- ان روحك سوف تترك بدنك الدنيوي المادي بصورة كاملة .وتستقر في قالب مثالي لطيف يشابه من حيث الصورة والشكل قالبك الأول
قال ذلك واختفى مع صاحبه فجأة , فالتفت يمينا ويسارا ابحث عنهما ولكن لا أثر لهما قط
وكما قال الملك وأخبر فقد أحسست بعد اختفائه بتفكك كل القيود التي كانت تربطني ببدني المادي , وكأن حبالا كانت تجرني نحوه قد تقطعت , وقيودا قد تمزقت , فأصبحت خفيفا لطيفا , ولم أشعربالتحاقي بالعالم المثالي الا بعد استقراري فيه لخفته ولطافته.
زالت همومي وآلامي بنجاتي من أسئلة منكر ونكير الا هم العقرب وألمه فهو لايرضى المفارقة ولا يقبل المساومة , لذا عاد أنيني وصراخي منه , بينما انا كذلك لا حظت اتساعا في القبر وانفتاح باب منه نحو حديقة واسعة كبيرة , حينها قال لي أحد الكائنات النورانية وهو يجرني نحوه :
- لنخرج الى الحديقة التي فتح باب القبر اليها
تحرنا جميعا واتجهنا نحو الباب , فخرجنا منها وجلسنا وسط حديقة واسعة , كانت سعته بمد البصر , وجماله ملفت للنظر قد وزعت فيه الورود بشكل منسق ومنتظم كما ان الوانها تتغير بين الحين والآخر لتعطي جمالا باهرا ورائح خلابة
كانت الكائنات النورانية على شكل ست صور بينهن صورة أحسنهن وجها وأبهاهن هيأة واطيبهن ريحا , قد استقرت فوق رأسي , اما الآخريات فكانت واحدة عن يميني والثانية عن يساريوالثالثة بين يدي والرابعة من خلفي والخامسة عند رجلي فقال احسنهن صورة
- من انتم جزاكم الله خيرا ؟؟

قالت التي عن يميني : انا الصلاة .
قالت التي عن يساري : انا الزكاة.
قالت التي بين يدي : انا الصيام
وقالت التي خلفي : انا الحج والعمرة .
وقالت التي عند رجلي : أنا البروالاحسان .
ثم قالت الصور الخمس جميعا وبصوت واحد : ومن أنتِ , فأنتِ أحسننا وجهاً , وأطيبنا ريحاً , وأبهانا هيأةً ؟
قالت أنا الولاية لآل محمد صلوات الله عليهم أجمعين .
كنتُ أشاهد واسمع مايجري من حديث هذه الكائنات النورانية فسألتهن مستغرباً:
- ألم تتعارفن من قبل هذا الوقت ؟
قالت الولاية : كلا لم تترك أحداث القبر مجالا لذلك .
حقاً كان اجتماع أُنس مع هذه الكائنات , لكنه انقضى سريعا لحلاوته إذ استأذنوا بمغادرة المكان بعد سويعات من جلوسنا ,فأجبتهم مستغرباً :
- أحقاً ماتقولون ؟ وهل سأبقى وحيدا قريبا هنا ؟
أجاب أحدهم :
ان لكل منا طاقة محدودة في الدفاع عنك ومرافقتك , وذلك يتبع مدى أدائك لنا في الدنيا واخلاصك لله حين االأداء, لذلك سوف يغادرك بعضنا ويبقى البعض الآخر , وبعد سويعات اخرى يغادرونك أيضا , وسيكون منوالنا هكذا خلال مسيرتك في عالم البرزخ , لكننا وف نلتقي بين مدة وأخرى , ولا بد من قطع أشواط وأشواط ومراحل قد تكون صعبة وموحشة في بعضها , وقد تكون ممزوجة بنعيم أعمالك حتى تستقر لك درجة ومرتبة تكوم عليها الى يوم الحشر والحساب الأكبر .
- وهل سيكون بإمكاني الرقي خلال مدة البرزخ ؟
- إن ذلك مرتبط بأعمالك أيضا .
- وكيف ؟
- قد يكون رقيك بسبب صدقة جارية لم تزل آثارها ومنفعتها مستمرة على أهل الدنيا , فكل يوم يمضي عليك ترقى درجة تتناسب معها ,
ومنها الولد الصالح الذي ترعرع في احضانك وقد بلغ رشده .
فخدم الإسلام وأهله , أو قد يكون رقيك بسبب دعاء خير يأتيك من أهل الدنيا , أو من الصلاة أو صيام أو عمل خير يُهدى ثوابه اليك .
ساد صمت قليل ثم عاد ليقول :
- والآن لابد من الفراق وسيبقى معك الصلاة والصيام الى وقت آخر .
ذهبوا وعيني تلا حقهم , ثم بعد سويعات غادرني الصلاة والصيام فبقيت وحيدًا فريداً . ساد ظلام الليل لكنني مازلت أرى , فهناك أنوار ثابتة وأخرى تشع بين الحين والآخر , وما زالت رائحة الورود العطرة تخالط النسيم النقي الذي كان يهب برفق وهدوء , لكني مع كل هذا لم أكن أحس بلذة ًولا بالرغبة فيه بسبب ألم العقرب الذي لم يزل عالقاً بقدمي , وبين ساعة وأخرى تتطاير شرارات عينيه المخيفة نحوي لذا تنحيت جانباً وجلست حزيناً مستوحشاً على سرير دلني عليه نزره المشع وبريقه الجذاب .

قلتُ مع نفسي أهذه الجنة التي طلما تأملتها وسعيتُ لها وكنت أحلم بنعيمها؟!
لكني لاأرى فيها الآن غير الغربة والوحشة , وفي هذه الأثناء سمعت نداء من شجرة قريبة فتوجهتُ نحوها , وأطرقت لكلامها فإذا بها تقول :
- ان كل ماتراه هنا هو تجسم لأعمالك في الدنيا , وأنت بحاجة الى نقاء أكثر حتى ترقى الى موضع أفضل مما أنت فيه .أجبتها متسائلاً:
- حتى أنت وهذا السرير الذي جلست عليه هو تجسم لأعمالي ؟
- نعم
- بالله عليكِ أخبريني اي عمل تجسم بصورتك هذه؟
- أما أنا فقد خلقتُ منذ وقت طويل على اثر ذكر وتسبيح وتهليل كان بتدبر وخلوص لله , وكذلك هذه الأشجار التي تراها والمتباينة في الشكل والجمال , انما هذا التباين يتبع التفاوت في درجة أذكارك .
- لم تخبرني عن السير الذي كنت جالساً عليه.
قالت
- اما السرير فهو تجسيم لإيوائك مسافرذات يوم أدخلته ساعة في بيتك فوقيته حر الظهيرة.
أصابتني الحسرة والندم على أوقات عمري التي انقضت , ولم املأها بذكر الله لكن الحسرة والندم لا يجدي وعلي التسليم والقبول
تمعنت جيدا في ثمر هذه الشجرة , فرأيته أشبه بالتفاح , لكنه بألوان متعددة فنويت الطلب من بعضها وكن قبل ان اتفوه بكلمة واحدة رأيت الثمر يتساقط امامي واحدة تلو الأخرى وبعدد ألوانها , فتحيرت بأيها أبدأ ,
تجولت في أنحاء الحديقة فرأيت الطيور المضيئة بألوانها الزاهية وتغاريدها المطربة تطير بين الأشجار ومن موضع الى آخر , ورأيت الأنهار تشق لحديقة بشكل هندسي رائع لتجري وتشكل شلالات جميلة امتزجت اصواتها فتكونت نغمة موسيقية عذبة . لم تكن الأنهار من نوع واحد, فكان الأول نهر ماء عذب , والآخر لبن ناصع البياض مصفى , والآخر تسمى مادته خمرا لكنه بأي طعم لذيذ ورائحة عطرة كان , انه لايشبه خمر الدنيا سوى أسمه وبعض من صفاته الحسنة التي قال عنها القرآن الكريم (فيها اثم كبير ومنافع للناس)
وقد أضيفت لها صفات ملكوتية جذابة
بينما كنتُ اتجول وأنظر يمينا ويساراً مبهوراً مما أراه , وإذا بشخص في غاية الجمال والبياض يتقدم نحوي ويسلم علي فأجبته :
- وعليك السلام
أحسست براحة كبيرة عند رؤيته , وبدأتُ الحديث معه وعرضتُ أسئلتي عليه فقلتُ له :
- هل يمكن أن تخبرني من أنت وماذا تفعل هنا ؟
قال :
- انا خلاصة أعمالك الحسنة , قد كنت معك في الدنيا , وسأكون معك على طول مسيرتك في عالم البرزخ .
- لكني لم اركَ قبل هذا الوقت !
- ان الإنسان في الدنيا لايرى سوى ظاهر عمله , غافل عن باطنه وحقيقته الملكوتية التي هي مرافقة له لحظة الأداء ولا تظهر له الا بعد كشف الغطاء عنه .
- وماذا بعد البرزخ؟
- وبعد البرزخ سيكون لي دور يتناسب مع عظمة الحساب والأهوال يوم ذاك
- اذن قد فزت ونجوتُ .
- كلا ان امامك الكثير من الأهوال والمصائب وأنواع العذاب سوف يُصَب عليك , وكله آثار أعمالك السيئة , وكل عذاب يُصيبك في البرزخ سوف يطهرك أكثر وأكثر حتى تنقى .
- وماذا سيكون دورك في كل ذلك , وأين رفقتك لي في تلك الأهوال والمصائب ؟
- ان لي حداً محدودا في مرافقتك والسعي لنجاتك اذ أن لديك ملكات فاسدة ومعاصي ارتكبتها ولم تتب منها ولابد لك من ان تذوق عذابها , وفي ذلك كله سأكون بعيدا عنك حتى تطهر منها
- وماذا عن العقرب الذي في قدمي وكيف الخلاص منه ؟
- ان هذا أمر متعلق بالشخص الذي يطلبك مالاً ولم تؤده اليه , وسوف لايزول عنك حتى تؤدي دينه أو يبرئك منه .
- وماذا بوسعك أن تساعدني في هذا الأمر؟
- سوف أبذل قصارى جهدي لمساعدتك ونجاتك منه ان شاء الله والآن لابد من مفارقتك على أمل اللقاء مرة أخرى .

.
.

قاهر المستحيل 21-02-2009 02:28 PM

رد: oO تَــحـتَ أَجْنِحَــةِ البَــرزَخ Oo
 
ما أمل الإنتباه لأمور الآخره دون الدنيا

والقصص كثرت بمقابل المعتبرون ضئيلون

مكتوبات رائعة .. وقصص جميله

أشهد بكاتب راقي


يعطيكِ العافيه أختي إشراقة أمل .. وواصليها عساكِ على القوة
















والله ولي التوفيق

zainab 22-02-2009 02:33 PM

رد: oO تَــحـتَ أَجْنِحَــةِ البَــرزَخ Oo
 
ما زلتُ قابعة هنا .. !

إشراقة أمل 22-02-2009 03:04 PM

رد: oO تَــحـتَ أَجْنِحَــةِ البَــرزَخ Oo
 
تركني وحيداً وذهب . انطفأت كل المصابيح ,وذهب بريق كل الأشياء , وساد الظلام , فم أعد ارَشيئاً, ولا أسمع صوتاً, وغمرتني وحشة شديدة , وتحيرت الى أي جهة أقصد , والى أي طرف أخطو, هل أبقى في موضعي أم ماذا أفعل ,حقيقة لقد كان الححال مَهولا والمستقبل مجهولاً, ولعل هذا مقدمة العذاب ....
انجلى اللي واقبل علي كائنان عملاقان أسودان كسواد القير , لايُرى منهما شيء غير شرارات تخرج من عينيهما وحلقيهما, وشرارات أخرى تخرج من عصاتيهما الملتهبتين . دَنَيا مني حتى وصلاني وأنا في حالة خوف شديد , فمسكني أحدهما من رأسي ولآخر من قدمي وحملا بي سريعاً كالبرق الى وادٍ كبير عميق يصعد منه دخان أسود عظيم . لقد كان الوادي عظيماً لدرجة ان له سوراً ضخما ً لم أتمكن من تمييز حداًالنهايته لا من اعلى ولا من يمين ولا من يسار . اقتربنا منه فانفتح لنا بابه الذي لو اجتمعت آلاف مؤلفة من البشر لِِفتحه ما تمكنوا منه . دخنا وإذا بأصوات صراخ وعويل لنساء و رجال وغمرت مشامي رائحة كريهة نتنة فقلت للمأمورين معي :
- ماهذا المكان الذي جلبتماني اليه و لعلكما اشتبهتما في شخصي ؟
- قال أحدهما :
- نحن ملائكة الغضب لانشتبه بأحد قط , وفوقنا رقيب نأخذ منه الأمر , ورقيبنا عليه رقيب حتى يل الأمر الى الجليل الأعلى , الم تقرأ في القرآن الكريم ( لايعصون الله ما أمرهم و ويفعلون ما يؤمرون )
- أما الآخر فقال :
- وهذا وادي خصص لعذاب العاصين , ولا بد لك من قضاء بعض أنواع العذاب فيه حتى تنقى من ذنوبك .
قال كلامه وضربني بعصاه على رأسي فاشعل ناراً , وصرختُ صرخة عظيمة , وضربني الآخر على بطني فالتهبت هي الأخرى .
ذهبا عني وبقيت أتلوى وأحشائي تحترق حتى بدأت أـسمع توغل النار فيها
بأي حال سيئة كنتُ وأي آلام تحملت , بل أي صراخ صرخت ناديت وما من مجيب , واستغثت وما من مغيث . لقد كان احساسي بحرارة النار إحساس من حضر فيها فهو داخلها لامن أخبروه عنها فهو يتخيلها وشتان بين الأثنين .
بقيت بهذه الحالة ساعات شغلني ألمي فيها عما حولي , فلما هدأت النار وعاد جلدي كما كان نظرت يمينا وشملا فرأيت وادياً ليس له حدودقد انتشر فيه آلاف من ملائكة الغضب بأشكال مختلفة مرعبة يحملون سياطا مختلفة منها الغليظ والنحيف , وبعضها من نار وبعضها من مواد أخرى أجهلها , وهناك مجاميع أخرى تحمل مقامع من حديد مُحمر
قَدِم علي ملكان ظهرا فجأة فلا أعلم من اي جانب أتيا . اقتربا مني وحملاني الى غرفة مليئة بصفوف الملائكة الذين اصطفوا بشكل مرتب ومنتظم , وهم ينظرون الى ملك عظيم الخلقة قد تصدرهم وتقدم عليهم . ويبدو أنه زعيمهم ظ القياني امامه وتحدثا معه بحديث لم أفهمه وخرجا وبقيت أنظر اليه كالذليل بين يديه ارتجف خوفا ً منه .

أومأ إلى ملكين آخرَين فأتيا سريعاًوحملاني الى غرفة أخرى, إذ جاءنا فيها ملك يحمل لوحاً علقه في عنقي وقال :
- ان هذا اللوح يحمل أعمالك السيئة صغيرها وكبيرها سوى ماتبت منه , مع توضيح جزاء كل منها من العذاب ونوعه ودرجته ومدته , كما يحوي صفاتك وملكاتك السيئة التي لم تزل باقية بسبب عدماقتلاعها من جذورها في الدنيا
أجبته قائلا:
- وهل يمكن لي معرفتها ؟
- نعم يمكن لك ذلك
حملني الى غرفة اخرى , ودخلنا فيها فرأيت ملكا قد وضع امامه لوحا عظيما فلما رآني قال للمأمور معي :
- مااسمه مارمزه ؟
ذكر المأمور اسمي الكامل ورقم طويل تتخلله احرف وكلمات لم أفهمها بعدها خاطبني الملك قائلا:
- اجلس هنا
أشار الى كرسي كان في الغرفة فجلست عليه وقال :
- هل ترى هذا الكتاب ؟
- نعم أراه , ولكن ليس بكتاب كما اعرفه
- ليس بالضرورة ان يكون كتاب البرزخ بنفس صورته في عالم الدنيا بل يكفي ان يؤدي وظيفة مشابهة لما كان يؤديها , فيُطلق عليه هذا الاسم
توقف قليلا ثم استأنف كلامه فقال:
- ان كل انسان يدخل هذا الوادي مقدارا معلوما من العذاب وفترة تتناقص مع كل فترة تمضي عليه , وهذه المدة لاتزيد ولا تنقص الا بإذن الله كما ان ذلك مرتبط بما تركته في دنياك من صدقة جارية او اعمال سيئة لم يزل أثرها في الدنيا قائما .
- قل لي بالله عليك كم سأبقى أسيرا عندكم في هذا الوادي المرعب ؟
نظر الى الكتاب وتمعن فيه ثم قال :
- اننا مأمورون طبق هذا الكتاب بحبسك مدة احدى و خمسين سنة وثمانية ايام و ...
لم يكمل الملك حديثه بعد ان التفت حولي لانه رآاني قد أُغشي علي , ولولا تماسك الكرسي لسقطت منه
أفقت بسوط من احد الملائكة اللذين أحاطوا بي حينها قلت له بصوت ضعيف متقطع ولهجة آيس معترض :
- بأي ذنب كل هذه المدة انني تبت الى الله تبة خالصة قبل خمس سنين , وسعيت جاهداً في طاعة الله ورعاية حقوق الناس و ...
قاطعني الملك وقال :
- صحيح ما تقول ولولا توبتك هذه لكان لابد لك من اللبث هنا آلاف السنين , بل وقد يمتد عذابك الى يوم الحشر الأكبر ولكنبسبب توبتك الخالصة سُجلت لك هذه المدة القصيرة جدا
- احدى وخمسون سنة تقول عنها مدة قصيرة ؟
- نعم قصيرة جدا نسبة الى فترات غيرك ولولا علمي بدرجة ايمانك وتقواك ما أجبتك على أسئلتك ولا أظهرت لك هذا الاحترام , وبسبب ذلك الإيمان ستكون درجة عذابك قليلة لو قارنتها بغيرك
- وبماذا سوف تعذبونني ؟

نظر مرة أخرى الى الكتاب وقال :
- نحن مأمورون طبق هذا الكتاب بإدخالك في مئة وسبعة وثلاثين نوعا من العذاب , وها أنذا أشاهد فيه صفات سيئة لم تزل فيك وإن كانت بدرجة ضعيفة, من قبيل التكبر والعجب والرياء وصفات مختلفة أخرى.
توقف قليلا ثم استمر في حديثه فقال:
- كان عليك مراقبة نفسك في الدنيا ومحاسبتها قبل أن تُحاسب الآن , كما أنك تستهين بذنوبك الصغيرة ولم تتب منها , وكان يصيبك شيئ من العجب في طاعتك , ولديك أعمال حسة أديتها لله لكن خالطها الرياء دون أن تشعر به .
توقف مرة أخرى وتمعن في الكتاب وقال :

- وأرى في أعمالك ايضاً ظلمك لولدك خمساً وأربعين مرة و ولزوجتك سبعاً وخمسين مرة , وإسرافاً في نعم الله أربعاً وتسعين مرة , وأكلك مال حرام خمساًوستين مرة و.....
قاطعته معترضاً:
- عن أي مال حرام تتحدث ؟ إني سعيت جاهداًعلى عدم أخذ دينار واحد حرام , فمن أين أتيت بذلك ؟ إنني أرى الخطأ في كتابكم هذا .
أجابني بهدوء رغم جرأتي على اتهامهم بالخطأ في كتابهم هذا .
- انك كنت تعمل مهندساً وتتقاضى راتباً شهرياً مقابل ثمان ساعات عمل يومياً , ولديك خمس وستون حالة انشغلت فيها بأمور شخصية أثناء وقت عملك وبدون رخصة من صاحب العمل وقد أثر ذلك على انتاجية الشركة وإن كان بشكل غير ملحوظ .
توقف قليلاً ثم قال :
- لاأرى من الضروري ذكر تفاصيل أكثر , فلا بد من قضاء هذه المدة بأي حال كان . ولكن لعله يصل اليك شيئاً من أهل الدنيا يخفف عنك العذاب وينقص من مدة مكوثك , أو لعل لديك من الأعمل الحسنة ما تسمح لك بنيل شفاعة الشافعين
سلمت أمري الى الله طوعاً أو كها , وققلت لهم احملوني الى حيث يشاء ربي ....


.
.

إشراقة أمل 22-02-2009 03:17 PM

رد: oO تَــحـتَ أَجْنِحَــةِ البَــرزَخ Oo
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة قاهر المستحيل (المشاركة 569154)
ما أمل الإنتباه لأمور الآخره دون الدنيا

والقصص كثرت بمقابل المعتبرون ضئيلون

مكتوبات رائعة .. وقصص جميله

أشهد بكاتب راقي


يعطيكِ العافيه أختي إشراقة أمل .. وواصليها عساكِ على القوة
















والله ولي التوفيق

.
.


صدقت أخي قاهر المستحيـــل ..

والأعظم من ذلك ..

رغم تكـاثر قصص العبرة .. إلا أنهم يتجـاهلونهـا تماماً

ويقبلون على القصص والروايـات الخيالية الخرافية العـاطفية

والتي في الغالب .. لا تؤتي نتاجاً يُذكر ..!

.

أشكرك لذي الطلـــة ..

وكن من المتـابعين ..

.
.

سكون الصمت 22-02-2009 03:43 PM

رد: oO تَــحـتَ أَجْنِحَــةِ البَــرزَخ Oo
 
أكملي خيتو اشراقه



والله حماااااااااس




اللهم صل على محمد وال محمد وعجل فرجهم



قصصك روووعه مثلك


يالله

بالانتظار خيتو



سلام


:)

قاهر المستحيل 22-02-2009 05:39 PM

رد: oO تَــحـتَ أَجْنِحَــةِ البَــرزَخ Oo
 
لازلنا متـابعين مواصلين

وإن شاء الله هنـالك من يتعظ ويستفيد











والله ولي التوفيق

إشراقة أمل 22-02-2009 11:25 PM

رد: oO تَــحـتَ أَجْنِحَــةِ البَــرزَخ Oo
 
أشكرك غاليتي سكون الصمت على تواجدك المستمر بين ثنايا قصصي ورواياتي ..

لا عدمت هذه الإطلالـــة .. وهذا التواصل ..

.

لروحك كل الحب ..,

.
.

zainab 25-02-2009 03:25 PM

رد: oO تَــحـتَ أَجْنِحَــةِ البَــرزَخ Oo
 
مازلتُ هنا .. !

إشراقة أمل 25-02-2009 07:28 PM

رد: oO تَــحـتَ أَجْنِحَــةِ البَــرزَخ Oo
 
الفصل الخـامس

نقاء في جهنم
ليتني عرفتُ قدري في الدنياقبل أن يعرفونه لي الآن تحت أقدام أهل جهنم . ألقوا بي وانا مكتف الأيدي والأرجل على أرض محمّرة مسودّة ملتهبة , كلا لامسها جزء من بدني دفعتُ به ليتكئ على جزء آخر , فأصبحت متقلباً ممدوداً أتحول من مكان الى آخرتحت أقدام سكان أهل جهنم الذين كانوا يقفزون من شدة آلامهم , والنار مشتعلة فيهم , فكأنهم قطع نار متحركة مضطربة , والملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم بسياط غليظة .
آه ثم آه , ألمي لايوصف , وعذابي ( رغم قلة درجته على قول الملك ) لو قسّم على أهل الدنياجميعاً ماتحمّلوه . لقد كانت حرارة النار تدخل الى أعماق قلبي فتحرقه قبل بدني , وأيّ نار! أظن انّ حرارتها لو مسّت جبال الارض لانصهرت , ولو سقطت شرارة منها على بحار الأرض لتبخرت .
كنتُ أسمع في الدنيا وأقرأ عن نار الآخرة وأتصورها بما يتناسب مع تخيلاتي المحدودة في ذلك الوقت , أما الآن فان روحي بعينها تذوق العذاب وهي حاضرة فيه لا خارجة عنه , وشتان بين الاثنين . أصابن عطش شديد , لذا كنت حين تقلبي انظر هنا وهناك بحثاً عن الماء , فرأيت أحد ملائكة الغضب يحمل إناءً اسود يتصاعد منه بخار , ويُسمع منه صوت فوران مابداخله , ادناه مني فانشوى وجهي لشدة غليانه , وكنت متردداًبين قبوله وردّه , لكن يبدو ان لاخيار لي في ذلك , فقد أراقه في فمي دون ان ينتظر , وليته لم يرقهُ , لقد كان حميماً وأي حميم , قطّع أمعائي لشدة غليانه , فازددت ألماً وعطشاً فوق ألمي وعطشي , وندمت حتى على يتي في طلب الماء وشربه .
قال الملك وقد ضربني بسوطه مستهزئاً :
- كيف كان طعم الماء ؟
لم أجبه فقال :
- انه ((بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا)) وهناك نوع آخر من الماء هل تريده ؟
- أجبته بصوت ضعيف وشفاة يابسة :
- نعم .
تناول اناء آخر وأراقه في فمي فإذا به أسوء من الأول , لذا قذفته خارجاً بعد أن ترك في حلقي مرارة لا تُطاق فقلت له :
- أتقول عن هذا أنه ماء ؟!
قال :
- انه ماء صديد , يخرج مع الدم الذي يسيل من أثر جروح أهل جهنم .
أحسست بجوع شديد حتى إنني لم أعد أقوى على الحركة , بل حتى على التقلب يميناً وشمالاً . رفعت رأسي قليلاً بحثاً عن الطعام فرأيت شخصاً يصرخ صراخ المجنون بعد أن دخلت أفعى عظيمة فمه ثم خرجت من دبره , وبدأت تلدغ في وجهه وبدنه والنار ملتهبة تحت قدميه .
نحّيت بصري عنه لبشاعة منظره , إذا بسوط أحد الملائكة يهزّني , رفعتُ رأسي نحوه فقال :
- هل تريد طعاماً ؟
أجبته بصوت خافت متقطع :
- نعم
لم يمكث طويلاً حتى اتى بإناء ممتلئ قرّبه مني فنظرت لما فيه وإذا به طعام على هيأة نبات ذي أشواك حادة ورائحة نتنة كريهة . فتح السلاسل من يديّ وأشار لي بتناوله . أخذتُ الإناء وتناولت مافيه , وليتني لم اتناوله ولم أطلبه , لقد مزّق حلقي فلا يدخل فيه ولا يخرج منه , ولم أقذفه الا بشق الأنفس وجهد جهيد , فقلت له عجباً من طعام !
نظر الي الملك وقال :
(( ان لدينا أنكالا وجحيما *وطعاما ذا غصة وعذابا أليما ))
قلت له :
- من اين أتيت بهذا الطعام ؟
قال :
- أنت صنعته لنفسك في دنياك , فأتيت به من خزانة أعمالك
- عجباً وكيف أصن لنفسي طعاماً كهذا ؟
- أكلك مال الحرام تجسّم بهذا الشكل من الطعام , كنت لاتراعي في وقت عملك انك أجير لثمان ساعات يوميا في شركة أبرمت عقداً معها فتأتي متأخراًأحيانا او تخرج منها مبكراً دون عذر شرعي يجوّز لك ذلك .

مضت ساعات إذا بي أسمع ضجيج أناس يصرخون .زاد الضجيج شيئاً فشيئاً لاقترابهم مني فتمعنتُ فيهم وإذا بهم مجاميع مجاميع من اناس ذات وجوه وأبدان سوداء والنار محيطة بهم ,ونار أخرى تخرج من أفواههم وآذانهم, وهم في حالة هول وذعر شديدين , يركضون وكأنهم قد فرّوا من فزع عظيم . أصغيت الى صراخهم فسمعتهم يقولون : أين نهر الماء ... أين نهر الماء !
جمعتُ قواي وقمتُ من مقامي وتبعتهم أملاًفي ايجاد نهر ماء كما يزعمون , ولم يمض وقت حتى اقتربنا من ضفة نهر كبير , وما أن وصلوا اليه حتى القوا بأنفسهم فيه الا أنا إذ وصلت متأخرا فهممتُ باللحاق بهم ولكني سمعت صراخهم وقد تضاعفت , وعويلهم قد عظُم , نظرت الهم فرأيتهم يصرخون ويستغيثون وسط نهر يغلي غليانا شديدا علمتُ فيما بعد أن مادته كانت من النحاس المذاب ذات الحرارة العظيمة , حمدت الله اني لم كن معهم , ويبدو أن لدي من الأعمال مامنعتني من ذلك .
هممت بالعودةوإذا بي أرى مجاميع أخرى في حالة ركض شديد نحو جهة أخرى , وتلاحقهم ريح ذات حرارة وسموم حتى وصلتهم وأحاطت بهم ودخلت في مسام أبدانهم , فبدأوا يصرخون ويستغيثون , وكلما رأوا غيمة سوداء هربوا اليها ليستظلوا بظلها , فإذا هي الأخرى تبدو وكأنها دخان أسود غليظ يمطر عليهم بكتل من نار ملتهبة لا تخطئ في هدفها ولا ترحم من تحتها .
انتهت فترة عذاب الصباح وكأنها استغرقت سنين طويلة لشدتها وقسوتها , فهدأت النار وانطفأت من تحت أقدامنا , واختفى سواد دخانها من أنظارنا , وشعاع لهيبها من أعيننا , ورُفعت سياط ملا ئكة الغضب عن أبداننا , وأعلنوا بدأ الاستراحة حتى الليل , حيث وجبة العذاب التالية ...
كان يتكرر ذلك يومياً غداةً وعشياً وبين فترة وأخرى يتغير نوع العذاب الى آخر, لذا رأيت أنواعاً عجيبة غريبة ذات قسوة شديدة لا تتصورها عقول أهل الدنيا , فكيف بمن يعيش فيها ويتحملها .
ذات يوم بالتحديد بعد خمسة ايام من دخولي جهنم , كنت أعيش حالة عصيبة من المرارة والألم وسط حرارة النار المشتعلة حولي , إذ كان عَرَقي يخرج من رأسي وبدني يجري عليه ثم يتخذ سبيله الى الأرض التي تحتي , فأراه يتبخر فورا لشدة حرارتها وعظيم لهيبها , وبنما انا في تلك الحالة إذ جاءتني نسمة هواء باردة فغمرتني بعذوبتها وأطفأت النار من حولي , وجرى من تحتي ماء ! لا أصدق ما أرى , نعم انه ماء يجري , وها هي قدماي تبتل منه . غرفت منه غرفة لأتيقن ان ما أراع حقيقة لا خيال وقد كان ذلك.
لقد تغير كل شيئ وهدأت جميع النيران , وغابت جميع مجسمات أعمالي السيئة لأعيش حينها حالة من الراحة والسكون
سمعت أصواتا ما كانت غريبة عني فأصغيت اليها جيدا وإذا بها أصوات أهلي يتحدثون فيما بينهم ثم ظهرت أمامي صورهم وقد اجتمعوا حول قبري , نعم هاهي والدتي تدعو لي وتبكي , وهاهو أخي يتلو القرآن , ما أجمل صوته وأعذب لحنه , وهذه أختي تمسك مرتضى بيدها وتحاول قراءة شيئ من الكتاب الذي بيدها الأخرى , جزاها الله عني خير الجزاء .... هممت بالتقدم نحو صورهم وإذا بصوت يناديني :
- لا فائدة من ذلك , اكتف بالنظر اليهم والأنس بوجودهم حول قبرك .
فهمت المعنى وبقيت أنظر اليهم وأتمعن في صورهم وأحسست بأُنس عظيم باجتماعهم هذا ولكن ....


صرخت أختي الصغيرة وسط الجمع , وسرعان مااسكتها اخي قائلاً لها:
- لقد أوصانا سعيد بزيارة قبره بين الحين والآخر حتى قبل يوم اربعينه , وقد عملنا بوصيته رغم مخالفة ذلك لتقاليد مجتمعنا كما أنه اوصانا بعدم صراخ النساء على قبره و وعدم ارتداء لباس الحزن عليه مدة طويلةفهل نسيتي ذلك يا أختاه ؟
قالت :
- لا والله مانسيتها, فأنا التي قرأتها عليكم , ولكن لاطاقة لي بفراقه , وكلما دعوت نفسي الى الصبر غلبني شيطاني ودعاني الى الصراخ والبكاء بصوت عالٍ بحجة ان ذلك يخفف عني ألم هجرانه .
تمنيتُ ان لايغادروا قبري ولكن ليس كل ا يتمناه الانسان يناله , فقد اقترب موعد الرحيل ثم تركوني وذهبوا و وعاد كل شيئ الى مكانه وتوقدت النيران من جديد , وظهرت اعمالي السيئة بهيئتها الموحشة المظلمة مرة اخرى وهي تمل في داخلها حقد عظيم .
مضت فترة اخرى في جهنم كنتُ خلالها متعجباً ومتألماً من العقرب العالق في قدمي كيف لايمل ولا يهدأ , وكيف لا يحترق بتلك النيران وحرارتها العالية وذات يوم ...
ذات يوم سمعته صرخ صرخة عظيمة , وأخرج شوكته فنظر الي نظرة حقد وسخط ثم لاذ بالفرر بعيداً , وحينها ا وجدت سبباًلتصرفه هذا ولا علمت حدثاً يستوجب فراره هكذا فقلت في نفسي لعل الايام ستكشف لي ذلك
ذات يوم اخبرني احد خزنة جهنم أن غدا سيكون العذاب من نوع جديد وهو صعود جبل من نار ,وسيكون عذابه لي ذا درجة قليلة نسبة مع من يتسلقه من اصحاب الذنوب والمعاصي و وقال ايضاً:
سيكو العذاب على كلفرد يختلف عن الآخر تبعاً لدرجة معاصيه وملكاته الفاسدة .
جاء الغد وإذا بالملائكة يأتون باشكالهم المخيفة ويجرونني ذليلاً على أرض جهنم الملتهبة نيرانها , فلا ادري من أي آلام أصرخ واستغيث , مِن حرارة النار تحت قدمي , أم مِن جروح بدني الحارقة , أم من أثر سياط الملائكة الموجعة , أم مِن أثر الأشواك الحادة فهي كالسكاكين المبعثرةهنا وهناك , أم من لدغات العقارب والأفاعي والتي أخذ كل منها سهمه مني أم من الوحوش المرعبة التي ما تركتني حتى غرزت أنيابها في بدني , فقلت عجباً لأعمالي التي تجسمت بهذه الصورة فأصبحت قطّاع طرق لي , وعجباً لنفسي ان كنتُ غافلاً عنها ولم أطهرها يوم كانت لدي الفرصة لفعل ذلك . وعجباً ان كل ما لاقيته الآن هو في طريقنا الى جبل النار , فكيف اذا وصلنا اليه , ام كيف سيكون العذاب فيه وأنا بهذه الحالة من الضعف والعطش والجوع ...
وصلنا المقصد فألقوابي أرضاً مكبّل الأيدي والأرجل على أرض يجري فوقها ماء اسود كالقير يغلي كغلي القدور والنار ملتهبة مشتعلة فيه وقد احاطت بي من كل جانب .
ذهبواعني وتركوني أتلوع وأتضرع , فنظرت أمامي وإذا بجبل عملاق لاتُرى قمته ولا تهدأ نيرانه , قد أُحيط بسورعظيم واما السور ملائكة غلاظ شداد ذوي هياكل ضخمة ووجوه مرعبة قد وقفوا بهيأة محكمة وصفوف منتظمة . بقيتُ وانا بهذه الحالة أنظر مبهوراً خائفاً واذا بأحد خزنة جهنم يضربني بسوطه ثم يقول :

ان صعود هذا الجبل الذي تراه امامك يستغرق عشر سنين حتى تصل قمته , وسوف تلاقي مصائب وبلايا وأنواعا من العذاب جديدة ومنهكة ومؤلمة حتى تصل آخره ثم يُلقى بك من تلك القمة في وادٍ مظلم معتم لاترى فيه حتى قدميك قد ملء بأنواع الوحوش المفترسة الجائعة تأكل فيك ولا تشبع وهي على هذه الحال مدة ثلاث سنين , ثم توضع ممدوداً مقيداً في صندوق من حديد ساخن مدة خمس سنين
وسترافقك فيه أعداد من العقارب القارصة والأفاعي السامة الملتهمة , بعدها يفعل الله ما يشاء .
سكت قليلا ثم اضاف وكأنه يهوّن علي ما سألاقيه فقال :
- ان البعض منهم يستغرق صعوده الجبل آلاف السنين , ويلاقي فيه انواع أشد وأشد مما سوف تراه وتلاقيه انت في صعودك , ويبدو لي أنك انسان مؤمن تقي , لكن لم تزل فيك ملكات فاسدة بدرجة ضئيلة إذ أنك مااستأصلتها من جذورها , تبعتها اعمال سيئة , فتجسمت جميعها بهذه الصور من العذاب الت سوف تلاقيها في صعودك جبل النار هذا ....
أصابني غم شديد وحزن عميق وخوف لا يوصف مما أنا فيه ومما ينتظرني من أهوال وبلايا لكنني أحسست حينها بقدرة التوجه الى ربي ومناجاته , فبكيت بكاءاً شديداً وتضرعت الى ربي متوسلاً وانطلق لساني مرددا :
((ياغافر الذنب يا قابل التوب ياعظيم المن ياقديم الاحسان أين سترك الجميل أين عفوك الجليل أين فرجك القريب أين غياثك السريع أين رحمتك الواسعة ))
اقبل نحونا ملك حسن الوجه جميل المنظر فاستبشرت من قدومه وكلما كان يقترب اكثر ينفتح صدري اكثر حتى وصل الينا , فسلّم ثم تحدث مع الخازن المرافق لي بحديث قصير وذهب وتبعه الآخر بعده !
بقيت وحيداً مبهورا ً مما حدث متحيراً في أمري وما سيؤول اليه مصيري , أحسست بخفوت النار حولي وبرودة الماء الاسود تحتي حتى اختفى فقلت في نفسي :
أترى حان وقت الاستراحة ! كلا ليس هذا وقتها , اذن لعل زائرا محترما يريد القدوم ! لااظن ذلك اذ لازال العذاب قائما على غيري . أترى هو ضوء أمل بالنجاة ؟ نعم لعله مقدمة لذلك , ولكن بأي سبب فملائكة ربي لا يخطئون في حساباتهم ولا يزيدون في العذاب ولا ينقصون الا بأمر من الجليل الأعلى , كما انني لازلت مكبّل الأيدي والأرجل , وما زال جبل النار يرعبني بضخامته ونيرانه ....
آه .. حقيقة عشت بين الخوف والرجاء , واليأس والأمل , فتراني تارة أضحك وأخرى أبكي وتارة تخنقني حسرة أعمالي التي أوصلتني ال هذا المقام من الذلة والعذاب .
لم تمض مدة طويلة حتى أتاني خازن آخر ومعه مخلوق غريب لم ارَ مثله من قبل . كان بدنه كالفرس ووجههة كملائكة الغضب وله جناحين كبيرين . تقدم الخازن نحوي وفتح عني قيودي وقال :
- لقد وصلتك هدية كبيرة من أهل الدنيا لذا امرت بنقلك الى غرفة بعيدة عن جبل النار , وسوف تستقر فيها حتى يأتي أمر الله .
لا استطيع ان أصف حالتي ساعة سمعت ذلك فأصبحت كالمجنون الذي يتخبط هنا وهناك لا يعلم ماذا يفعل , حتى هدأت والملك ينظر لي فقلت له ك
- اعذرني انها الفرحة جعلتني افعل هكذا .
لم يجبني بشي , واخذ بيدي وأشار لي بالصعود فوق ظهر ذلك المخلوق الذي معه , انطلق بنا بسؤعة فائقة واعتلى محلقاً فوق ارض جهنم , فرأيت في طريقنا مشاهد يشيب الرأس لرؤيتها فكيف بمن يعيشها !؟


رأيت أعداداً لا تحصى من البحار , ويبدو انها بحار من المُهل والغسلين التي قرأت عنها في عالم الدنيا , ورأيت دوراً لاتحصى من الرصاص , وآخرى من النحاس وأخرى من الحديد , وبينما كنت أنظر لها مبهوراً قال الملك :
- في كل د ار منها سبعون ألف تابوت من نار وفي كل تابوت الف حية , ومن كل حية بصدر الف نوع من العذاب !
ورأيت نساء معلقات بشعورهن ويصرخن صراخاً شديداً اختلط مع صوت غليان أدمغتهن , وعليهن سلاسل من حديد ساخن محمَر , ورأيت نساءً على صورة كلاب والنار تدخل في أدبارهن وتخرج من أفواههن , ورأيت نساءً معلقات بألسنتهن وصراخهن مثل صراخ الحمير والنار تأكلهن, والحيات والعقارب تلسعهن وتنهشهن , التفتُ الى الملك لعله يوضح لي شيئاً مما ارى فتدارك نظراتي اليه وقال:
- اللواتي يكشفن شعورهن وزينتهن لغير أزواجهن , والصنفان الآخران اللواتي يؤذين ويلومنّ أزواجهن من غير ضرورة .
اشمأزّت نفسي من بشاعة هذه المناظر , وأغلقت عيني وأطرقتُ قليلا وأردتُ أن أشغل فكري بأمر آخر , فحضر لدي أمر الهدية التي وصلت من الدنيا وتساءلت في نفسي :
تُرى من الذي ذكرني بعد ثلاثين عاما جزاه الله عني خيراً , تُرى هل هي امي ام أبي ؟
كلا لا أظن انهما في عالم الدنيا بعد هذه المدة , تُرى هل هي من زوجتي ؟ كلا انها فارقت الدنيا قبلي . إذن لعلها من أحد أصدقائي ؟آه تذكرت صديقي مؤمن , ليتني أعلم اين هو الآن , هل مايزال في عالم الدنيا ؟ وهل هو الذي أهدى لي ذلك ؟ لا أعلم ....
وبينما انا في هذه الدوامة من الحيرة والتفكير وإذا بالملك يسألني :
- هل تعلم من أين أتتك الهدية ؟
- كلا لا أعلم أخبرني بالله عليك من أين هي ؟
- ان ابنك مرتضى لم يزل في عالم الدنيا , وهو الآن شاب مؤمن متدين جمَع مبلغاً من المال خلال سنة من الجهد والتعب والعناء لغرض شراء وسيلة نقل له ولعائلته , ولكن عندما علم بوجود سبعة عوائل فقيرة في منطقته لاتملك قوت يومها ، عزم على تقسيم المبلغ بينها وأهدى ثواب عمله هذا اليك , فأمر الجليل الأعلى بعدم ادخالك في جبل النار كذلك نجاتك من عذاب عشر سنين أخرى .
غمرتني فرحة شديدة فلم أتمالك نفسي , وكأن روحي تحاول فك القيود والتحليق في عالم الفرحة والسرور , حتى خشيت الوقوع من على ظهر هذا المخلوق الذي لم يزَل يقطع المسافات الطويلة حتى اوصلنا المقصد .

لم أكد أضع قدمي أرضا حتى تذكرت ان مدة العذاب كانت احدى وخمسين سنة وثمانية ايام قضيت منها ثلاثين عاما وعُفي عني عشرون, اذن بقي عام واحد وثمانية أيام
آه الويل لي و صرخت صرخة المجنون :
- انا الآن لا اريد العودة الى النار , لا لا اريد , لا اطيق لحظة واحدة فيها . أراد أحد الملائكة ان يجرني ويأخذني الى الغرفة المقصودة ولكني أبيت ذلك وأجبته قائلا:
- انني اريد ان اناجي الجليل الاعلى , اريد ان أتوسل وأتضرّع الى ربي , أليس الله هو الرحمن الرحيم ؟ أليس هو أرحم الراحمين ؟ أليس هو حبيبي في الدنيا فكيف يتخلى عني في الآخرة ؟
القيتُ بنفسي ساجداً ودموعي جارية وقلبي منكسراً وأملي منقطعا من كل شيئ سوى الله وقرأت كلمات كثيراً ماترددت على لساني في الدنيا :
- ((اِلـهي وَسَيِّدي وَرَبّي، اَتُراكَ مُعَذِّبي بِنارِكَ بَعْدَ تَوْحيدِكَ وَبَعْدَ مَا انْطَوى عَلَيْهِ قَلْبي مِنْ مَعْرِفَتِكَ وَلَهِجَ بِهِ لِساني مِنْ ذِكْرِكَ، وَاعْتَقَدَهُ ضَميري مِنْ حُبِّكَ، وَبَعْدَ صِدْقِ اعْتِرافي وَدُعائي خاضِعاً لِرُبُوبِيَّتِكَ، ))
اجتمع الملائكة حولي وأخذتهم الحيرة من أمري فهم لايعلمون ماذا يجب عليهم فعله , اراد احدهم الدنو مني , لعله يتمكن من إقناعي بالذهاب , لكني لم ابال بهم , وكنت غارقا في عالمٍ آخر , في عالم عشق الله وشوق لقاؤه ....
أحسست بقدرة وجرأة اكبر على مناجاة ربي فدعوته قائلا :
(( الهي وسيدي وعزتك وجلالك لئن طالبتني بذنوبي لاطالبنك بعفوك و ولئن طالبتني بلؤمي لاطالبنك بكرمك , ولئن أدخلتني النار لأخبرن اهلها بحبي لك ))
كان بعضهم يقول لايمكن لنا اجباره على مغادرة المكان , انه انسان مؤمن وفي حال مناجاةٍ لله تعالى , ولولم يكن مؤمناً لما أجاز الله له ذلك , اذن علينا الانتظار حتى يأتي أمرٌ من الجليل الأعلى .
ازددت شوقا الى لقاء ربي ومرضاته , واحسست بانقلاب عظيم في نفسي , حتى بدأت أشعر ان حاجتي الى الله تغيرت وتجاوزت حدود الخلاص من عذاب سنة أخرى واصبحت اطلب النجاة من عذاب فراق ربي فدعوته مردداً :
(( وَهَبْني (يا اِلـهي) صَبَرْتُ عَلى حَرِّ نارِكَ فَكَيْفَ اَصْبِرُ عَنِ النَّظَرِ اِلى كَرامَتِكَ اَمْ كَيْفَ اَسْكُنُ فِي النّارِ وَرَجائي عَفْوُكَ فَبِعِزَّتِكَ يا سَيِّدى وَمَوْلايَ اُقْسِمُ صادِقاً لَئِنْ تَرَكْتَني ناطِقاً لاَِضِجَّنَّ اِلَيْكَ بَيْنَ اَهْلِها ضَجيجَ الاْمِلينَ (الاْلِمينَ) وَلاََصْرُخَنَّ اِلَيْكَ صُراخَ الْمَسْتَصْرِخينَ، وَلاََبْكِيَنَّ عَلَيْكَ بُكاءَ الْفاقِدينَ، وَلاَُنادِيَنَّكَ اَيْنَ كُنْتَ يا وَلِيَّ الْمُؤْمِنينَ،))
ازدادت حيرة الملائكة حولي , وتركوني بحالي أبكي وأناجي , وبينما انا بهذه الحال وإذا بي أسمع صوت ملك اقبل علينا وهو ينادي :
- اتركوه قد انتهى عذابه وعفي عنه , قد جعل الله نفسه شفيعا اليه , اقترب منا اكثر حتى وصل الينا وانا انظر اليه مبهوراً, غير مصدّق لما أرى لقد كان وجه ذلك الملك يشع بالنور الساطع والجمال الباهرويبشّر بالخير لمن يراه ,ضمني بجناحيه وقال :
- ان الجليل الاعلى يبلغك السلام ويقول : عبدي نني ماتخليت عنك , ولا طردتك من رحمتي , لكنك كنت متقربا مني مرة وتبتعد عني أخرى , وانا دائما اناديك وادعوك بالتقرب والزلفى لدي , اما عذابك في جهنم فهو لروحك تزكية ونقاء كي تعيش حياة الأبد طاهرا لا يحجبك عني شيئ .
بكيت بكاءا شديدا عندما سمعت كلام الملك وخطاب الجليل وصعقتُ صقةً غشي علي على أثرها , فلم أعد أرى ولا أسمع ولا أشعر بشئ و وغرقتُ في اغماء عميق عميق .......


عودة للأحباء

كان لقائي مع أول حبيب لي وأنا في أحضانه , انه عملي الصالح الذي عندما افقت وفتحت عيني , اطلت عليّ اشراقته المنيرة وابتسامته اللطيفة .
قال بصوته العذب :
- كيف حالك ياسعيد , أحمد الله على سلامتك , مدة طويلة مضت وانا أسعى لخلاصك من المأزق الذي وقعت فيه , ولنجاتك من بلايا اعمالك السيئة .
لم أصدق ما أرى , هل هو حقيقة أم انني أعيش في عالم الوهم والخيال ؟ بقيت حيراناً أنظر اليه أغلق عيني مرة وأفتحها أخرى , فبادرني بكلامه ثانية :
- سعيد انا عملك الصالح , انا رفيقك وهاديك , هل نسيت لقائي معك منذ ثلاثين عاما ؟
بدأ يمسح دموعي الجارية فرحاً للقائه , انها دموع لقاء الحبيب لحبيبه , لقاء المشتاق الى من اشتقت اليه سنين وسنين قلتُ له معاتباً :
- أين كنت طوال هذه المدة انسيت وعدك لي في مرافقتي والدفاع عني عند الشدائد والبلايا ؟ لقد قضي أقسى وأمرّالعذاب , وما كان لك حضور معي لتواسيني على مصائبي , او تخفف عني آلامي .
- انني لم أتخل عنك أبداً , وسعيت جاهدا طوال هذه المدة لنجاتك إذ كان لي علم بما تعانيه وأول عمل أنجزته لك هو إيصال خبر لى ابنك مرتضى في المنام بأن والده يتعذب بسبب أن عليه دَين سابق الى صديق له اسمه أحمد لم يؤدءه اليه .وفي اليوم التالي ذهب مرتضى الى العنوان الذي أُعطي له , فوجد الرجل قد توفي حديثاً , لذلك اعطى المبلغ الى ابنه الأكبر , واخبره بما جرى وبالرؤيا في منامه بشأن والده , وطلب منه براءة الذمة لتأخير ذلك المبلغ , وقد رأيت اثر هذا العمل بفرار العقرب العالق من قدمك ألي كذلك ؟
- آه الآن فهمت سبب فرار العقرب , جزاك الله عني خير الجزاء , لقد كان يؤذيني كثيرا بشوكته , لا أعاده الله لي .
- كما انني فرحتُ كثيرا عندما علمت بهدية مرتضى إليك ومنذ ذلك الوقت سعيتُ بكل وجودي لخلاصك الأخير من جهنم حتى تمكنت من الحصول على إجازة الجليل الأعلى بمناجاته والتضرع اليه , ومن ثم إذنه تعالى بنجاتك وإخراجك من نار البرزخ , ولم اترك هذا الامر حتى اوصلتك الى المكان الذي أنت فيه الآن , كما انني هيأت لك دار استقرارك ومحل سكناك في الجنان التي سوف نرحل اليها بعد ثلاثة أيام .
- لا أعلم كيف اشكرك , جزاك الله عني خير الجزاء
- لاتنسى اني خلاصة أعمالك الصالحة , وكل مااستكثرت منها في الدنيا كانت قدرتي على الدفاع عنك اكبر و وجاهي عند الملأ الاعلى أعظم .
بينما كنا نتحدث واذا بثلاث وجوه منيرة اقبلت علينا , اقتربت اكثر فأكثر فتمعنت فيها واذا بها نفس الكائنات النورانية التي اجتمعت حولي في القبر , انها الولاية والصلاة والصوم و جاءوا ليباركوا لي نجاتي وخلاصي من نار البرزخ , اجتمعوا حولي وتذكرتُ اجتماعهم أيام القبر الاولى ووعدهم لي باللقاء مرة أخرى , كما انهم وعدوني بعد التهنئة والتبريك بإقامة حفل بهذه المناسبة في الأيام القادمة .
بقينا ثلاثة ايام في هذا المكان الذي كان بمثابة محطة استراحة مؤقته وقد توافدت خلالها وفود عديدة من الأنس والملائكة لتهنئني بمناسبة الخلاص من عذاب البرزخ .
انقضت الأيام الثلاثة فأخبرني عملي الصالح بأنه استلم الإذن بمغادرة المكان والانتقال الى وادي السلام , حيث هناك مستقر المؤمنين , وجنات عدن التي وعد الله عباده المتقين .

تهيأنا للسفر وسألتُ عن كيفية الذهاب فقال :
- هناك دابة سوف تأتينا لنستقر على ظهرها ونرحل .
جاءت الدابة وبدأنا الرحيل انا وعملي , إذ لارفيق لي غيره , ولا أنيس لي سواه
سألته في الطريق عن مسائل عدة منها عن جبل النار فقال:
- ان جبل النار هو تجسّم لصفة التكبرعند الانسان وهو الذي قال عنه الله تعالى في كتابه ((سأرهقه صعودا)) ويحوي على انواع من العذاب هي تجسمات لآثار ذلك التكبر . كما ان درجة العذاب فيه تختلف من شخص الى آخر تبعا لدرجة تكبره ومعاصيه حتى تصل الى المتكبرين على الله تعالى , واما ما كان مقرراً لك فهو أدنى درجاته .
- وماذا عن الوحوش المفترسة الجائعة في الوادي المظلم المعتم بعد جبل النار ؟
- انها حالات الغضب التي كانت تعتريك وتجعلك كالوحش المفترس لمن تغضب عليه , إذ كنت تنحي عقلك جانبا ويغمرك ظلام الجهل المعتم الذي لايسمح لك بالنظرالى من تغضب عليه إلا بمنظار سَورة الغضب الضيقة .
استمر بنا الحديث ونحن محلقين على الدابة التي كانت تسير بسرعة لا توصف , أظن ان سرعتها كانت تفوق سرعة الضوء , والعجيب اننا كنا لانشعر بتلك السرعة والاحتكاك مع الهواء وكأننا في طائرة مغلقة ومكيّفة !
كان يغمرني شوق كبير لرؤية جنان البرزخ التي كثيرا ما قرأت عنها في الدنيا وشوقي للقاء أحبتي كان اكبر, تذكرت والدي ووالدتي واهلي وزوجتي , لاأدري أين مستقرهم الآن , وهل نجوا كما نجوت , ام مازالوا ......
بينما كنت غارقا في عالم الفكر والخيال , وغذا برائحة عطرة عذبة تغمر مشامي وتخرجني من عالم فكري , نظرت لما حولي فرأيت خضرة واسعة ليس لها حدود . لم تمض دقائق حتى توقفنا عندها واستقرت اقدامنا فوقها , استأذنتْ الدابة للذهاب , وحلقت بحناحيها الشفافين الى حيث يشاء الله لها
قال عملي وقد أشار الى احد لجهات :
- لنترجّل قليلا الى تلك الاشجار المثمرة حيث هناك نهر ماء عذب وثمار مختلفة
ذهبنا واكلنا من انواع الفاكهة التي لا عين في الدنيا رأت لاأذن سمعت ولا خطر على قلب بشر, كانت من الالوان بما لاتعد ومن الطعم بما لايوصف , ومن الرائحة بما لايرغب من يشمها ان يبتعد عنها ويفارقها .
قال عملي :
- ان هذا الذي تراه هو مقدمة لجنان البرزخ وما ينتظرك اكبرواكبر .
- وماذا عن جنان الخلد بعد يوم القيامة ؟
- اما نعيم جنان الخلد فلا استطيع وصفه لك الآن لأنك لن تستطيع ان تتخيل او تتصور مااقوله لك , ولكن اعلم ان كل ماتراه من جنة ونعيم وثمار واشجار وحور وانهار ولذة في عالم البرزخ . انما هي صور وانعكاس لحقيقة النعيم والجنان والحور والانهار واللذات في عالم الأبد بعد الحشر والحساب .
- وهل تعني اننا نعيش الآن في عالم الظل والخيال ؟
- كلا , ولكن اقصد ان درجة الاحساس بلذات عالم البرزخ لو قارنتها مع عالم الابد , لكان الفرق بينهما كالفرق بين لذتك عندما تنظر الى صورة معلقة على جدار وتحوي منظرا جميلا فيه جبال وشلالات وورود جذابة , وبين لذتك عندما تذهب الى مكان ذلك المنظر وتعيش فيه بروحك وبدنك



أقبل علينا ملك في غاية الجمال فسلّم علينا وقال :
- لقد أتيت لكما بالإذن لدخول وادي السلام , تعالوا معي .
- سألته مستغربا :
- وأين هو وادي السلام ؟
- أنتم الآن على مشارفه , تقدموا قليلاً و تقدمنا خطوة بعد خطوة وقدم بعد قدم فإذا بباب عظيمة شفافة وقد اصطفّت الملائكة عن يمينها ويسارها وهم ينتظرون قدومنا ز تقدمنا نحوهم , واقتربنا منهم فسمعنا اولهم يقول:
((تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقياً))
تقدمنا اكثرهم فقال آخرهم :أدخلوها بسلام آمنين
دخلت انا وعملي بسم الله الرحمن الرحيم ....يالهي ماذا أرى ؟؟ أهو حقيقة ام خيال ؟؟ ماهذه الخضرة الواسعة المطعّمة بأجمل الالوان , يالسعتها وجمالها , وما هذه الاشجار والبساتين الرائعة , وما هذه الأنهار الجارية والأنوار المضيئة , ومن هؤلاء الجالسين مجاميع مجاميع ووجوههم تشع نوراً وبهاءً , يبدو أنهم من جنس البشر ,نعم انهم سكان جنان البرزخ جالسين مجتمعين , ليتني اصل إليهم فأسألهم عن أهلي وأحبتي . أردت التحرك نحوهم ولكني تذكرتُ أني جديد العهد هنا , لذا سألتُ الملك المرافق لي :
- ماذا نفعل الآن ؟
قال :
-علينا ان ننتظر حتى يأتي أمر الله .
سمعت اسم الله فأحسست بحب عظيم له وشوق للقائه , ورغبة في رضوانه , وتذكرت الآية الكريمة: (ورضوان من الله أكبرذلك هو الفوز العظيم) فقلت في نفسي ليتني أصل الى رضوان الله , وهل صحيح انه اكبر من كل هذه الجنان والنعيم والصفاء؟! ترددتُ في سؤال الملك ثم تجرأتُ بقولي له :
قال :
- ان رضوان الله ليس بالشي المستقل عن جنان البرزخ حتى تصل اليه , فهو يرافق وجودك ويمنحك السعادة والطمأنينه في تلك الجنان , وتختلف درجته باختلاف منزلة العبد ومقامه .
سُررتُ كثيراً عندما رأيت الدابة التي أتت بنا قد عادت بشكلها الجذاب ونورها المشع وابتسامتها البهية , وعندما وصلت الينا قالت :
- اركبوا بسم الله مجراها ومرساها .
قلتُ لها :
- بالله عليك أخبريني من انت؟
قالت :
- انا تجسم مساعداتك للناس وقضائك لحوائج المؤمنين في الدنيا , وقد خلقني الله لأقضي حوائجك وأكون وسيلة تنقلاتك في عالم البرزخ .
- وكيف استدعيكِ عند الحاجة إليك ؟
- ان من خلقني أودع لدي القدرة على الحضور أمامك بمجرد حصول نيةاستدعائك لي .
انطلقت بنا وحلقتْ فوق الجنان وأي جنان ! قلت لعملي :
- الى أين المقصد هذه المرة ؟
قال :
- الى مسكنك البرزخي , الى مثواك ومقرك الذي طالما كان في انتظارك الى ما غرزته في الدنيا ونمى لك في الآخرة , الى ((جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده مأتياً))
لحظات لاتوصف , ومشاعر لاتقاس بشيئ وانا في طريقي الى ماوعدني به ربي ..
قال عملي :
- لديّ مايسرّك أكثر , هل أخبرك به ؟
- نعم وهل هناك من لايرغب في سماع مايسره .
- اعلم أن الانسان الذي يدخل السرور في قلوب المؤمنين سوف يخلق الله له من يسره في الآخرة وهذا المخلوق سوف تلاقيه وقد أعد لك الكثير مما تقر به عينك
- وهل تعلم ماذا اعدّ لي ؟
- ان المستقبل سوف يكشف لك ذلك .....

إشراقة أمل 27-02-2009 01:19 PM

رد: oO تَــحـتَ أَجْنِحَــةِ البَــرزَخ Oo
 
وقفـــة قبل أن أُكمــل ..,

.

لن أنسَ قبل أن تنتهي حروف روايتي .. أن أشكر

الغالية على القلب : zainab

لمتـابعتهـا المستمــرة .. ووجودهـا الدائم بين ثنايا الأسطـر ..


.

غاليتي ..

لكِ من تحيـة من القلب .. ملؤهـا الحب ..,

.
.

سكون الصمت 03-03-2009 07:35 AM

رد: oO تَــحـتَ أَجْنِحَــةِ البَــرزَخ Oo
 
شرووووووقه




تشوقت كثيرا



سأقرأ وأبدي رأيي


عوااااااااافي

سكون الصمت 03-03-2009 08:49 AM

رد: oO تَــحـتَ أَجْنِحَــةِ البَــرزَخ Oo
 
وااااااااااااااااااااااي


اللهم صل على محمد وال محمد وعجل فرجهم




شروووووووووقه فديت قلبك



كملي والله شوقتيني اكثر




يااااااااااارب ارض عني واقبل عملي القليل بكرمك الكثير



رحم الله والديك يااشراقه



وحرم بدنك على النار



يعطيك ربي الف عاااااافيه



بالانتظاااااار



لكي مني كل الشكر والتقدير والامتنان

إشراقة أمل 03-03-2009 10:16 PM

رد: oO تَــحـتَ أَجْنِحَــةِ البَــرزَخ Oo
 
سكووووونه فديتك ..

تحمسيني كثيير بحماسك ..


ولا يهمك .. راح أكملهــا ..

ما بقى إلا جزء أحطــه .. و ينتهي المشوار تقريباً :)


.

انتظريني

.
.

سُندس } 04-03-2009 05:31 AM

رد: oO تَــحـتَ أَجْنِحَــةِ البَــرزَخ Oo
 


"

شدني عنوان الموضوع حقيقه سرد شيق جداً

يجعلنا نتعظ بشكل اكبر ونخاف مراقبة ومحاسبة رب العالمين علينا .

السطور تبدو طويله جداً والنوم يخيم ع عيوني لا استطيع القراءه جيداً :)


لي عوده قريبه .



مليون شكر للأنامل الفضيه جميل جداً حبيبتي .



0

إشراقة أمل 04-03-2009 05:34 PM

رد: oO تَــحـتَ أَجْنِحَــةِ البَــرزَخ Oo
 
غاليتي الدانـــة ..

شرفٌ لي وجودك بين أسطــري ..

فلا تحرميني سع ــادتي بقربك ..


ودمتِ بود

.
.

إشراقة أمل 04-03-2009 05:37 PM

رد: oO تَــحـتَ أَجْنِحَــةِ البَــرزَخ Oo
 
حور وجنان
كان اول من استقبلني واحتضنني في قصري الجديد هي زوجتي , نعم انها زوجتي في عالم البرزخ , انها الحور العين التي قال عنها الله تعالى في كتابه العزيز (حورمقصورات في الخيام)) كانت غاية في جمال لايوصف ,وبما يفوق ان يقاس يجمال نساءاهل الدنيا , كان وجهها يشع نورا فهو براق كبريق اللؤلؤ, وصاف كصفاء الياقوت, اما شعرها فقد تدلّى بعض منه الى خلفها وفوق أكتافها , وبعض منه على صدرها المملوء باللؤلؤ اللمّاع والحلي الذهبية البراقة التي كانت تعطي بحركتها نغمة لطيفة . اما بدنها فهو خال من كل عيب وله نقاء وصفاء لدرجة كنت ارى صورتي خلال اجزاءه البارزة من ثيابها الشفافة والتي كانت تتغير ألوانها وعطرها بين الحين والآخر , انها ثياب استبرق وحرير شفاف ..
اما كلامها فعذب لاتوصف عذوبته , ولايمل منه سامعه إذ كنت اطرب لحديثها , ولا اتمنى سكوتها وكأني أسمع أنغاما موسيقية رائعة منسجمة بشكل كامل مع انغام الحلي ورنينه ولا أبالغ لو قلت ان جمالها يحير العقول , ولا طاقة لأهل الدنيا على رؤيتها ولو انها طلعت على عالم الدنيا لطغى نورها على نور الشمس المشرقة ...
استقبلتني عند اول قدم لي في القصر, فاقبلت مبتسمة مشرقة يضئ نورها معها اينما ذهبت , تركت وصيفاتها وجواريها وخدمها خلفها واقبلت نحوي فبدأت تقترب مني شيئا فشيئا حتى وصلتني , لحظات لا تنسى ومشاعر لاتوصف وهي تقف امامي بجمالها الساحر ونورها المشع الهادئ قلت لها :
- من انت ؟
قالت :
- انا زوجتك المقترحة في عالم البرزخ , اشتقت اليك كثيرا دون ان أراك , وقد خيرني ربي في اختيار زوج لي فقلت الخير ماخترته لي , وها انت أمامي قد بهرني جمالك الساحر وهيبتك العظيمة , فحمدت الله على اختياره وشكرته على امتنانه
قلت لها :
- نعم الرب ربنا وسبحانلذي خلقنا فان الخير كله منه واليه وقد رضيت برضاه واحمده على اختياره واشكره على امتنانه
عانقتها وضممتها الى صدري فأحسست بسكون وطمأنينه عظيمة ولذة قصوى ...
دخلت القصر معها وأيقصر كان ! كانت لبنته بعضها من الذهب الخالص وبعضها من الفضة , اما سقفه وطلاؤه فكان من مواد عجيبة غريبة سألت عنها فكان الجواب ان السقف من الزمرد والطلاء من الياقوت . اما ارضيته فكانت بعضها مفروشة بمود أشبه بالزجاج المطعّم بأنواع أحجار ما رأيت مثلها ولا سمعت من قبل عنها
تجولنا في القصر فلم ارى له حدودا ينتهي بها قلت لها:
- مااعظم هذا القصر !
قالت :
- ان مواده ولبنته التي تراها هي اعمالنا الحسنة قد تجسّمت بهذه الأشكال فكونت قصرا بهذه العظمة
تحيرت في أمرها وجوابها وتساءلت في نفسي : أيكون لها أعمال حسنة وسيئة مثلي ؟ قلت لها مستغربا :
- ماأسمك ؟
قالت :
- اسمي سناء
- انه من اسماء الدنيا أليس كذلك ؟
- نعم
- وهل أنت من صنف البشر ؟
- نعم
- وفي أي بقعة من الارض كنت ؟
- في أرض تركيا
كنني اراك تتكلمين العربية !
- نعم ان روح الانسان لها قدرات فائقة اودعها الله فيها , فاذا تحررت من بدنها المادي ظهرت تلك القدرات , ومنها التكلم بجميعاللغات حتى لو لم يكن الانسان يجيدها بل لم يكن يعرفها في عالم الدنيا
- اخبريني بالله عليك ماقصتك ؟؟



قالت :
- كنت امرأة مؤمنة بالله , راضية بقضائه , شاكرة لنعمائه رغم وجود عاهة في بدني والتي منعتني من الزواج في الدنيا , وعندما علمت انه لاسبيل لشفائي , اصبحت الدنيا لاشيئ عندي , وتوجهت بجوارحي وجوانحي الى آخرتي , فتخلقت بأخلاق الاسلام , وتقربت الى ربي العلام, وتيقنت اني خلقت لغير عالمي , واصبحت ارى روحي اعظم من بدني , فحررتها من قيوده , وحلقت بها الى عالم الملكوت , فدخلت جنتي وأنا في دنياي , وشعرت بسعادة عظيمة قبل مماتي حتى توفاني ربي , وانجز لي وعده فيما حرمت منه , وها أنذا معك بتمام العافية وعظيم الراحة في جنات عدن التي وعد الله عباده المتقين .
- انني أرى جمالك يفوق جمال الحور العين التي رأيتها في طريقي الى هنا , فهل ترين في شخصي مايناسب جمالك وكمالك الذي أراه ؟؟
- نعم انني أرى فيك ذلك , انك الآن بأكمل هيئة وأجمل صورة , فجمالك عظيم يفوق جمال يوسف الذي كنا نسمع عنه , ونورك يسعى بين يديك بهاءاً اكبر وكمالاً أعظم .
- ليس هذا فقط , بل كل ماأحاط بهذا القصر من حدائق خلابة وبساتين جذابة , وكل مافيها من خدم وجواري هو لك , كما ان هناك قصوراً وحدائق عظيمة أخرى في أماكن غير التي انت فيها الآن, ويمكنك الذهاب اليها في أي وقت تشاء
استمر بنا الحديث طويلاً أحسست خلاله بسعادة عظيمة ولذة فائقة ,وكانت الأطباق تأتينا بين الحين والآخر بأيدي الولدان المخلدون الذين كانوا يطوفون علينا فهم كاللؤلؤ المنثور , تشتهي اوفيها ماتشتهيه الأنفس وتلذ الأعين , ليزيد ذلك من اجتماعنا وحديثنا صفاءً اكثر ولذة أعظم .
تجولنا في الحدائق المحيطة بالقصر , وكانت الأشجار تبادرنا بالسلام , وتدعونا لتناول ثمارها , ود كان بلاط تلك اأشجار من الياقوت وترابها من المسك الأبيض وسقيها من الزنجبيل والعسل , وعشبها من الزعفران , وظلها مجالس لأهل الجنة وخدمها . اما الورود الملونة فكانت تستقبلنا بأنغامها العذبة , ورائحتها العطرة , وتنحني لنا كلما اقتربمنها , واما الطيور فكانت تحوم في فضاء تلك الحدائق وتنتقل بين غصن وآخر لتعطي جمالاً اكثر بألوانها ونغمة لطيفة بتغاريدها
تقدمنا اكثر فرأينا نهراً يجري فيه ماء زلال يشاهد من خلاله قعره الذي يبدو انه من الياقوت الأحمر , وحصاه من الدر واللؤلؤ , وقد وقفت على جوانبه جواري تحمل كل منها كأساً من مائه وتدعونا بصوتها العذب للشرب منه .
تقدمنا اكثر فرأينا نهراً آخر من لبن بياضه كبياض الثلج يجري من مرتفع الى منخفض ليكّون شلالاً تقف الواري على جانبيه وتملأ الكأس منه لتعرضه علينا علّنا نتناول منه .
قالت سناء
- وهناك نهر آخر أمامنا وهو من عسل مصفى هل تحب الذهاب اليه ؟
- لنترك الذهاب اليه ومشاهدته الى وقت آخر
كانت هناك أمكنة للجلوس على حافة النهر وعندما وصلنا اليها جلسنا قليلاًلنشاهد تلك المناظر والحدائق الخلاب ونتناول شيئا منها وبمجرد ان نوينا لحم طير مشوي سمعنا نداءً لأحد طيور الجنة من على غصن فيها وهو يقول بصوته الجميل :
- انا طير خلقني الله في الجنة وليس في الجنة عين الا شربت منها ولا فاكهة الا أكلت منها ولحمي من هذا العيون والثمار فهل تشتهيا الأكل منه؟
أجبته مستغرباً قائلاً :
- نعم
وما ان قلت ذلك حتى رأيته ألقى بنفسه أمامنا وخفق بجناحيه ثم خرج من كل ريشة منه قطعة لحم , نظرتُ الى سناء وقلت ُ لها
- تفضلي بسم الله هذا من فضل الله .
ولما انتهينا ن تناول ذلك اللحم فوجئنا بعودة الطائر الى حالته الأولى , اذ رفرف بجناحيه وعاد الى غصنه مرة أخرى .
قلتُ لسناء :
- هل كنت تتوقعين الحصول على ماتشاهدينه الآن ؟
- نعم ولكن كان توقعي بما يناسب تصوراتي المادية في الدنيا , أما ما أشاهده الآن فهو يفوق تلك التصورات جميعها ورأيت أشياءً ماكان بالأمكان تخيلها في عالم الدنيا .
- العجيب ياعزيزتي انهم يقولون :
ان كل مانشاهده الآن في عالم البرزخ ليس الا انعكاساً لحقيقة في عالم الأبد , والبرزخ قطرة من بحر عالم الخلود ...


شوق ولقاء
اقبل علينا شخص يبدو من شكله انه ليس من الخدم والجواري , وتظهر عليه ابتسامات لطيفة , استأذن منّا وبادرنا بالسلام وقال :
- سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار .
أجبناه معاً بصوت واحد:
- وعليك السلام ورحمة الله وبركاته .
سألته من يكون فقال :
- انا السرور الذي أدخلته في قلوب المؤمنين .
قاطعته مسروراً :
- نعم نعم أخبرني عملي الصالح أني سألاقيك , وان لديكمفاجئات سارة قد أعددتها لي .
- صحيح ماأخبرك به.
- وأين مفاجئاتك ؟
أشارالى سناء وقال :
- زوجة من الخيرات الحسان ألم تُدخل السرور على قلبك ؟
- كيف لا . بل غمرتني فرحة وسروراًلاحدود لهما , ولكن اخبرني مادورك بذلك الأمر ؟
قال :
- كنت انا الوسيط بينكما , وقد سعيت بهذا الأمر منذ نجاتك وخلاصك من تبعات ملكاتك وأعمالك السيئة .
توقف قليلا ثم ابتسم وقال :
- ولدي أمر آخر يسرك كثيراً .
- قل لي بالله عليك ماهذا الأمر الذي يسرني كثيراً؟
- سوف يزورك في قصرك بعد ثلاثة أيام شخص عزيز عليك , قد كان لك في الدنيا سنداً وهاديا ً,وهو الآن في مقامات عالية اعظم من مقامك الذي أنت فيه , فهو يتمكن من زيارتك بينما انت لاتستطيع ذلك الا للأشخاص الذين هم أدنى منك .
غمرتني فرحة كبيرة بسماع هذا الخبر خالطتها حيرة في من سيكون هذا الزائر ! طلبت من سرور ان يخبرني باسمه فأبى الا ان يجعلها مفاجأة لي في يوم اللقاء مما زاد الطين بلة والحيرة حيرة
سألت سرور :
- كيف تمكنت من تهيئة هذا الأمر كله ؟
- ان خدمتك لضيوفك في الدنيا وسعيك لتوفير كل الراحة لهم بما يسرهم ويزيل عنهم أتعاب السفر وعناء الطريق كانت خالصة لله , وقد تجسّم عملك هذا بهيئة قوة مكنتني من هذا الأمر
مضت ثلاثة ايام وجاء اليوم الموعود . كان كل من في القصر متهيئا لساعة اللقاء ومتشوقاً لرؤية الضيوف الكرام , ويبدو على سكان القصر نشاط دؤوب وحركة كبرى بعدما عرف كل منهم دوره وواجبه , وترى الواحد منهم بشّر الآخر ويحثه على العمل ’ فقلت في نفسي عجباً! يبدو ان الجواري والخدم فرحون أكثر منا بقدوم الزائر , اما وصيفات سناء فقد اجتمعن حولها فالبسنها انواعا جديدة بديعة من الحلي والأساور وملابس جذابة بألون برّاقة , فزادها جمالا وكمالا فوق جمالها وكمالها.
اقترب الموعد وبلغ التهيؤ لا ستقبال الزائر ذروته وحان اللقاء نعم انها علامات تدل على قدومه , فها هي جنتي تزداد نوراً فوق نورها, وهاهي الطيور زادت من تغاريدها , والورود من الوانها وروارئحها والأشجار من ثمارها ....
اقبل الزائر والنور يسعى بين يديه , والبسمة على شفتيه , والملائكة تحفه يمينا وشمالا عانقني وضمني الى صدره وقال :
- هل وجدت ماوعدك ربك حقاً يا سعيد ؟
أجبته ودموعي جارية لفرحة لقائه :
- نعم وجدت ماوعدني ربي حقاوزيادة يا مؤمن .
اجل انه صديقي مؤمن الذي كنت اتمنى رؤيته , وأتخيل ابتسامته , وطالما تذكرت نصائحه لي في الدنيا والتي كلما رأيت آثارها في الآخرة ازددت شوقاً اليه ورغبة في لقائه .
علم ان قد عرفته فضمني الى صدره مرة أخرى وقال :
- يبدو انك مازلت تذكرني ياسعيد
قلت له :
- كيف أنساك يامؤمن وقد تربيت على يديك فكنت تسهر الليالي من اجلي وتتحمل العناء في تعليمي مفاهيم ديني وأحكام إسلامي , أنت الذي وضعت وردة الاسلام في يدي وسقيتها حتى نمت وترعرعت ودخلت في قلبي , فأصبحت جزءاً لا ينفصل من حياتي . أنت يامؤمن كنت نورا استضي به في ظلمات الدنيا وشبهاتها , واستعين به الزلق والمتاهات كنت اقتبس منه نوراً في عالم الفناء فكيف يزول عن قلبي شوق لقائك في عالم البقاء


وبهذا انتهت قصة سعيد وعالم البرزخ ....


أهدي هذا العمل الى صــاحب الأمــر عجل الله فرجـه الشريف ..
واطلب من جميع متابعي الرواية وممن استفاد منها ان يدعو لي .. بالهداية والصلاح والتقوى ..
ولروح جدي وجدتي و جميع أموات المؤمنين والمؤمنـات .. الفـاتحة مع الصــلوات ..

سكون الصمت 04-03-2009 07:18 PM

رد: oO تَــحـتَ أَجْنِحَــةِ البَــرزَخ Oo
 
اللهم صل على محمد وال محمد وعجل فرجهم


اللهم بلغنا جناتك يارب العالمين




وحرم ابداننا على النار


وارزق اختي اشراقه زوج وذريه صالحه تنفعها دنيا وآخره يارب العالمين




الله يرحم جدك وجدتك ويرحم والديك يااشراقه



والله يجعله في ميزان حسناتك


رزقنا الله واياك الجنه



اشكرك من اعماااااااااااااااااااااااق قلبي



فأنتي كما عهدتك مميزه دوما


فكوني كذلك


لكي تحيه بحجم السمااااء << قلاااده صح



سلاااااام

zainab 04-03-2009 10:20 PM

رد: oO تَــحـتَ أَجْنِحَــةِ البَــرزَخ Oo
 

.


.


لي عودة ..

.


الساعة الآن 03:48 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir

ما ينشر في منتديات الطرف لا يمثل الرأي الرسمي للمنتدى ومالكها المادي
بل هي آراء للأعضاء ويتحملون آرائهم وتقع عليهم وحدهم مسؤولية الدفاع عن أفكارهم وكلماتهم
رحم الله من قرأ الفاتحة إلى روح أبي جواد